مستشفى عزيزة عثمانة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المستشفى الصادقي أو مستشفى عزيزة عثمانة

هذا المستشفى الذي كان يسمى المستشفى الصادقي كائن اليوم بساحة الحكومة في القصبة بين مرّي الوزارة الأولى ووزارة الدفاع الوطني. وكان محمد الصادق باي قد دشّنه في يوم مشهود، يوم 12 فيفري 1879. لكنّ الوزير خير الدين باشا هو الذي عمل على تأسيسه وسهر على إنجازه. وفي 5 أفريل 1996 رُدّ الاعتبار لهذا المستشفى حتّى "يتواصل فيه تقديم الخدمات الصحّية لسكّان هذه المدينة وحتّى تتسنّى صيانة مَعْلم يخلّد اسم عزيزة عثمانة".

على المستوى المعماري[عدّل]

إنّ المستشفى الصادقي مبنًى متكامل مكوّن من طابقين، يقع في قلب المدينة ويحتلّ مساحة هكتار ونصف تقريبا.

على مستوى التنظيم[عدّل]

تأسّس المستشفى الصادقي بمقتضى قانون أساس وحيد صدر في الرّائد الرسمي التّونسي لسنة 1879 وتضمّن 41 فصلا، فيها تحديد لحقوق المستفيدين من هذه المؤسسة (وهم المرضى) وواجباتهم وكذلك لحقوق الموظّفين فيها من أطبّاء ومتصّرفين.

ويعود هذا الفارق في عدد الفصول إلى كون المستشفى كان في تونس هيكلا حكوميّا منذ القرن السابع عشر. ولقد سبق للقانون الأساس لمستشفى العزّافين الصادر منذ 1662 أن حدّد حقوق المرضى والأطباء والمتصّرفين وواجباتهم. أمّا في فرنسا، فلم تتأسّس وزارة الصحّة العمومية (ضمن وزارة "ترديو" Tardieu) إلاّ في 2 مارس 1930. وأصبحت المستشفيات الفرنسية منذ ذلك التاريخ تشرف عليها هذه الوزارة، بعد أن كانت تابعة لوزارة الداخلية على مدى سنوات عدّة ولوزارة التجارة والأشغال العمومية لفترة قصيرة.

على المستوى الوقائي[عدّل]

نصّ القانون الأساسي (1879) للمستشفى الصادقي على التلقيح ضدّ الجدريّ، في 8 فصول نثبتها فيما يلي. وهي تشكّل إجابات عن الأسئلة التالية:

متى وأين أجري التلقيح؟ ما تكاليفه وروزنامته؟ ما هي العقوبات التي يتعرّض إليها الأولياء إذا تقاعسوا عن تلقيح أطفالهم؟

الفصل 28: كلّ مولود جديد يولد في تونس يتعيّن على والديه تلقيحه ضدّ الجدريّ قبل بلوغه سنّ 3 أشهر، إذ لوحظت في العالم أجمع فوائد هذا التلقيح في حماية الصحّة.

الفصل 29: إنّ "المحرّك" في كلّ حي من الأحياء مطالَب بإعلام رئيس بلدية العاصمة أو رئيسيْ بلديّتي الربضيْن عن كلّ ولادة جديدة في حيّه. ويتعيّن على رئيس البلدية من جهة أن يُسلّم "للمحرّك" التابع له بالنظر وصلا متعلّقا بهذه الولادة وأن يُعلم بذلك مدير المستشفى حتّى يتسنّى تسجيل المولود الجديد في سجلاّت الحالة المدنية والتأكّد من قيام وليّ الطفل بواجبه في الوقت المناسب.

الفصل 30: إذا تخلّى وليّ عن واجبه فإنه يُسلّط عليه عقاب لأجل العصيان وعدم احترام القوانين. إنّ الأشخاص المطالبين بإعلام السلط بكلّ ولادة جديدة والمقصّرين في أداء هذا الواجب يُعتبرون أيضا مسؤولين عن ارتكاب المخالفة.

الفصل 31: يمكن إجراء التلقيح ضدّ الجدريّ بمحل السكنى. وبإمكان وليّ المولود الجديد أن يتّجه إلى أيّ طبيب شاء لتلقيح طفله. أمّا إذا أجري التلقيح في المستشفى. فعلى الوليّ أن يدفع 6 ريالات لا أكثر مقابل هذه العملية. ويُعفى الفقراء من دفع المبلغ، لأنّ التلقيح مجانيّ بالنسبة إليهم.

الفصل 32: يجب على وليّ المولود الجديد أن يطالب الطبيب الذي قام بالتلقيح بشهادة على إجراء هذه العملية فعليّا.

الفصل 33: تُسلط عقوبات على الأولياء الذين لم يلّقحوا أطفالهم قبل بلوغ سنّ 6 أشهر.

الفصل 34: تُجرى التلقيحات في المستشفى مرّتين في كلّ سنة: الأولى انطلاقا من شهر أفريل الأخرى ابتداء من شهر سبتمبر لمدّة 45 يوما.

الفصل 35: في حال حدوث أوبئة تستوجب إجراء تلقيحات في تواريخ غير الفترات المحدّدة أعلاه يتعيّن على أطباء المستشفى أن يُعلموا قيّم هذه المؤسّسة حتّى تنشر هذه التواريخ في الرائد الرّسمي بوساطة "المحرّكين".

أمّا في المستشفيات الفرنسية، فإنّ القانون الذي يجعل التلقيح ضدّ الجدريّ إجباريّا لم يصدر إلاّ سنة 1902.

من هذه الميادين الثلاثة (وغيرها كثير) يتّضح أن تونس كانت لها في القرن التاسع عشر ثقافة طبيّة محلّية غير مستوردة، كما كان لها بالخصوص إدراك لأهميّة التنظيم والانضباط والعمل المنهجيّ والجهد الصبور. وهو ما يفسّر رخاء تونس والتونسيّين بشهادة كلّ من زاروا هذا البلد أو عملوا فيه في بداية القرن الماضي. بل يمكن القول إنّ "هذا التنظيم التونسي للانضباط" الذي يجوز وصفه بالمستنير كان مصدرا من مصادر الرفاهية الطبيّة العصريّة التي شملت العالم بأسره.

ونورد فيما يلي بعض الشهادات التي أدلى بها أصحابها في بداية القرن الماضي حول نوعيّة الحياة في تونس. ونسعى إلى تفكيك عناصرها. وهي بسيطة من حيث المبدأ، لكنّها ثمرة الحضارات السابقة. وكان لها الفضل في إنقاذ البشريّة من أكثر الأوبئة القتّالة فتكا وباء التيفوس.

الشهادات[عدّل]

* "دارنبرغ" (Daremberg) : "يمكن القول إنّ المؤسسات الصحيّة في مدينة تونس في حالة يُرثى لها من التردّي. ولكن رغم ذلك وفي أغلب الأوقات - أعني عندما لا تظهر الأوبئة - ليست الصحّة العموميّة فيها أسوأ ممّا هي عليه أكثر مدن أوروبا. ولتوضيح هذه المفارقة الظاهريّة يكفي أن نقول إنّ مدينة تونس كثيرا ما تهبّ فيها الرياح فتكنسها وتُنظّفها باستمرار..."

* "غي دي موبسّان" (Guy de Maupassant) :"... كلاّ، تونس مدينة سليمة جدّا. هواؤها الذي نتنفّسه منعش ومسكّن. بل لم أتنفّس قطّ هواء ألطف منه ولا أكثر تهدئة للأعصاب المتوتّرة. ولئن كانت مقاطعة لاند (Landas) هي أسلم مقاطعة في فرنسا، فإنّ تونس هي الأقلّ إصابة بالأمراض العاديّة المنتشرة في بلداننا.

قد يبدو الأمر غريبا لا يصدّق لكنه الواقع. يا معشر الأطبّاء العصريّين، أصحاب التكهّنات المضحكة ويا أساتذة الصحّة، يا من ترسلون مرضاكم لاستنشاق الهواء العليل في قمم الجبال أو المنعش في الغابات، تعالوا شاهدوا المزابل التي تغمر تونس. ثم انظروا إلى هذه الأرض التي لا تظللها أيّ شجرة بظلّها المنعش. وابقوا سنة في هذا البلد. إنّه سهل محرق تحت وطأة شمس الصيف. وهو مستنقع ضخم تحت أمطار الشتاء. ثمّ ادخلوا المستشفيات! إنّها فارغة! اسألوا الاحصائيات تخبركم أنّ الناس يموتون أحسن ميتة، كما قد تنعت على وجه الخطإ، أكثر ممّا يهلكون بأمراضكم. ولعلّكم وقتئذ تتساءلون: أليس العلم الحديث هو الذي يسمّمنا بمظاهر تقدّمه؟ أليست المجاري في أقبيتنا والخنادق المجاورة لمائنا وخمورنا هي التي تقطّر لنا الموت تقطيرا في بيوتنا ومنازلنا، وهي التي تنشر الأوبئة الفتّاكة أكثر من سواقي القاذورات حول تونس في وضح الشمس؟ ستدركون أنّ هواء الجبال النقي أقلّ تسكينا من النفثات الجرثومية المنبعثة هنا من مزابل المدينة، وأنّ رطوبة الغابات وما تسبّبه من حمّى أخطر على الصحّة من رطوبة المستنقعات التي تبعد عن أصغر غيضة بنحو مائة ميل.

وفي الواقع، تثير سلامة تونس التي لا جدال فيها اندهاشنا. ولا يمكن أن تُعزى إلاّ إلى ما يتميّز به الماء الذي يشرب في هذه المدينة من صفاء. وهو ما يؤكّد صحّة أحدث النظريات حول طريقة انتشار الجراثيم المتسبّبة في الأمراض".

* "بافي" (Pavy) : إنّ موقع تونس ممتاز، يسمح لها بتهوئة متواصلة. كلّ هذه الأعاجيب تقع على خط الطول الشرقيّ من 5 و10 إلى 9 و12، وعلى خط العرض الشمالي من 32 و20 إلى 37 و20 فالمناخ صحّي تماما وهو يعتبر من أكبر مزايا تونس... الهواء يتنقّل فيها بكلّ حريّة وتهبّ الرياح في كلّ مكان فتطهّر الجوّ. وإذا ما حرص الأوروبيّ على تجنّب المياه المشبوهة فإنّه لن يخشى شيئا في هذا البلد. بل أكثر من ذلك، فإنّ مدينة تونس مثلا مدعوّة بلا شكّ إلى أن تصبح الأولى أو على الأقل من أوّل المحطات ذات المناخ الاستشفائي في البحر الأبيض المتوسط... إنّ مدينة تونس خالية من حمّى المستنقعات. وهي من المواقع التي يمكن اعتبارها لحسن الحظ منيعة، لا يؤثّر فيها داء السلّ. فلقد أثبتت الاحصائيات الطبيّة، بما لا يدع مجالا للشكّ، خصائصها الممتازة في هذا الصدد".

* نشريّة بلدية تونس: إحصاء الاصابات بالجدريّ في تونس سنة 1909: عدد الحالات69، عدد الوفيات35، نسبة الوفيات 18.2 / 100.000 ساكن، وهي تعادل نسبة وفيات المدن الفرنسيّة. وتجدر الاشارة إلى أن هذا العدد القليل من الاصابات بالجدري يسمح بترتيب تونس من أقلّ مدن العالم تعرّضا لوفيات بسبب الجدري.

واللاّفت للنظر في هذه الشهادات إجماع أصحابها على ربط هذه السلامة بالطبيعة والمناخ لا بالانسان. إنّ مثل هذا التفسير غير مقنع لأنه يجعل من الطبيعة العنصر الوحيد للتقدّم، فيستحيل معه نقل هذه السلامة إلى بلدان أخرى لا يتوفّر فيها هواء كهوائها ولا ماء كمائها. فما قيمة هذا التقدّم الملحوظ إذن، إن كانت لا تتساوى جميع أقطار العالم في الانتفاع به؟

سرّ هذه السلامة[عدّل]

هذا السرّ الذي يشكّل أحد أسس الثّقافة الطبيّة التونسيّة تمكّن من فهمه وترويجه في العالم طبيب زائر ولد بمدينة روان (Rouen) الفرنسيّة وقدم إلى تونس وهو في السادسة والثلاثين من عمره بحثا عن راحة النفس وعن قدر من التسامح للقيام بعمله هانئ البال. ولقد ظفر بكل ذلك، إذ أقام 33 سنة في تونس واعتبر نفسه تونسيّا وطلب البقاء فيها بعد مماته. هذا الطبيب الزائر اسمه "شارل نيكول" (Charles Nicolle).

ومن تونس، وطنه الثاني ووطن بحوثه العلميّة، صدّر للعالم أجمع مهارات محليّة.

ومنح في المقابل جائزة "نوبل" في الطبّ سنة 1928.

ولقد أدرك أسرار المقاربة الطبيّة التونسيّة على مرحلتين: الأولى سنة 1903 والثانية سنة 1920.

ففي سنة 1903 اكتشف شارل نيكول أن التيفوس، ذلك الوباء العالمي المتسبّب في وفاة عدّة آلاف من الضحايا في حرب 1870،لا يصيب قاعات المستشفى الصادقي بل يقف عند عتباتها. ولنصغ إلى روايته لهذا الحدث:"كان مركز ملاحظاتي مستشفى الأهالي بتونس، وهو المستشفى الصادقي. ولقد حدث فيه حدث غريب لا يفهم أحد مغزاه، لكنّه لفت انتباهي. كان المصابون بالتيفوس راقدين في قاعات الطبّ المشتركة. وفيما عدا هذه القاعات، كان المصابون ينشرون العدوى، وكان التيفوس ينتشر بمجرّد اتصالهم بالعائلات التي يزورونها، كما ينتشر بين الأطباء المكلّفين بقيادتهم. وكانت العدوى تشمل أيضا أعوان مكاتب الدخول للمستشفى والمكلّفين بجمع ثياب المرضى وكذلك المكلّفات بغسلها. وكان يكفي أن يدخل المصاب بالتيفوس إلى القاعة المشتركة حتّى لا يعدي أحدا ممّن يرقدون بجوار سريره ولا أيّ ممرّض ولا أيّ طبيب".

هذا الأمر الذي تفطّن إليه شارل نيكول على عتبات قاعات المستشفى الصادقي أدّى به على مدى 17 عاما إلى إمعان النظر في المدينة وعمرانها بعين العالم وعقل الطبيب وإلى تحليل خصائص مساكنها المعمارية. واكتشف أخيرا أن هذا المعمار الذي تشترك فيه المدينة مع المستشفى يسمح بمرور العناصر الأساسيّة الثلاثة للصحّة وهي الهواء والشمس والماء.

إنّ جلّ هذه الملاحظات والتأمّلات ملخّصة في مقاله الشهير: "تهديم مدينة تونس العربيّة".وهو مقال بمنزلة قسم بقراط في مجال المعمار العصري، نقتطف منه هذه الفقرات: "... نعم، إنّ الأنهج العربية ضيّقة، لكن المنازل حواليها لا ترتفع إلى أكثر من طابق واحد، ويحتوي كلّ منزل على صحن فسيح في الغالب ما أبعد مقاسات هذه الساحات عن مقاسات السويحات المحدودة في العمارات الباريسيّة. فما يضيّعه النهج يربحه بسهولة صحن الدار... إنّ أفقر غرفة عربيّة بجدرانها العارية والباردة وقلّة مرافقها تمتاز من الوجهة الصحيّة عن تلك الأكواخ. لنزر بعض المنازل الجديدة بنهج لندرة ولنستخلص العبرة من ذلك... ينبغي إحداث خرق داخل العمارات وشقّ نوافذ على الساحات وإدخال أسباب الصحّة والرفاهة بإزالة الظلمة والاكتظاظ".

ليس في المعمار التونسي شيء اسمه مجاز مسقّف (couloir) يكون حاجزا يعرقل ناقلات الصحّة والسلامة الثلاث: الهواء والشمس والماء. ولقد أتاح هذا المعمار تطبيق الفصل 8 من القانون الأساس للمستشفى الصادقي، عزيزة عثمانة، مجسّما بذلك مبدأ ثقافيا تونسيّا، هو التطهير بواسطة الماء أو إن شئت قل: طريقة تونسيّة لاستئصال الأمراض المعدية، بما فيها التيفوس.

هذا المعمار الذي اكتشف شارل نيكول مزاياه ودافع عنه بكلّ قواه يفسّر جميع الشهادات التي أوردناها أعلاه، كما يفسّر انطلاقة هذا المستشفى، خصوصا في المجال الجراحي قبل عهد المضادّات الحيويّة بكثير، إذ تطوّر عدد العمليّات الجراحيّة من 1017 سنة 1911 إلى 9780 سنة 1930. ولهذا أمكن، في سنة 1930ن قبول حوالي 20.000 شخص سنويّا (أي قرابة 600 مريض يوميّا) دون خطر حدوث أوبئة أو حالات عدوى. أليس في ذلك ما يستحقّ الاعتبار؟ ألا يمكن أن يتّخذ هذا الفنّ المعماري وسيلة لمقاومة تفشّي الأمراض التي تتسبّبُ فيها المستشفيات ذاتها، خصوصا بعد أن ظهرت اليوم علامات فشل العلاج بالمضادات الحيويّة. وهو يهدّد الانسان بعودة الأوبئة؟

وتجدر الاشارة في الختام إلى أنّ تونس اختارت في القرن التاسع عشر نمطها المعماري وسارت على مقتضى مبادئ وتقاليد صحيّة قويمة جاعلة من الثقافة الطبيّة مقوّما أساسيّا.