مجلة الأحوال الشخصيّة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحاضرون من اليمين إلى اليسار: الجالسون محمد الطاهر بن عاشور، الحبيب بورقيبة، أحمد المستيري.الواقفون: عبد الله فرحات،محمد القروي،محمد بن سلامة.

يندرج إصدار مجلّة الأحوال الشخصية ضمن سياسة تحديث المجتمع العامة، إذ يمرّ تحديث المجتمع عند مشرّع الاستقلال حتما عبر تحديث النواة الأسرية. كانت الأحوال الشخصية قبل إصدار مجلّة الأحوال الشخصية غير مقنّنة ودينية، فالجماعة اليهودية كانت تتقاضى عند المحاكم الحاخامية التي تطبّق الشريعة الموسوية. أما المسلمون، وهم غالبية السكان، فقد كانوا يتقاضون إلى المحاكم الشرعية المالكية والحنفية التي تطبّق أحكام الفقه الإسلامي.

إنّ النموذج المشترك للأسرة الإسلامية معروف: فسيادة النسب عبر الذكور جلي والعائلة ضرورة شرعية قائمة على روابط الدم. أما إثبات النسب الطبيعي فقد تم تجاهله كما أن التبني ممنوع وتعدّد الزوجات مقبول على نطاق واسع، في حين ظلّت الرابطة الزوجية هشّة تخضع فقط لإرادة الزوج، أمّا المرأة فتجد نفسها دائما في وضعية دونية: الإكراه على الزواج من قبل الأب ثمّ سلطة الزوج الذي عليها أن تخضع له، مع إمكانية بسيطة للاحتفاظ بحضانة الأطفال دون سن الرشد مع غياب أية سلطة للولاية على الأبناء وتوزيع غير متساو للميراث...

وقع إصدار مجلّة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956.

يعكس هذا التقنين دولنة القانون ويحدث قطيعة فيما يتعلّق بنظام الأحوال الشخصية في بلد مسلم ، فالقانون لم يعد ذا مصدر إلهي وتؤكد الدولة بهذا تحكّمها في مسألة إحداث القوانين، فهي التي تقرر القوانين وتسنّها.

ستسمح عملية التقنين هذه بالتوحيد، وتَرَافَق توحيد العدالة وحذف القضاء الديني الشرعي والحاخامي لصالح قضاء علماني مع توحيد تشريعي. انطبقت المجلّة حال إصدارها على التونسيين المسلمين فقط ثم بعد مضي سنة شملت كل التونسيين دون أي تمييز. مهّدت لهذا التقنين والتوحيد العديد من التحديثات التي أدخلت على قانون الأسرة. ولم يكتف المشرّع حينئذ بالتقنين بل أراد تغيير مضمون القانون ذاته حتى يعمل على تطوير المجتمع مترجما بذلك تصورا إراديا للقانون.

ازدواجية المجلة[عدّل]

مجلة الأحوال الشخصية

كان لا بد لإحداث تغيير في المجتمع من إحداث تغيير داخل الأسرة ومنح المزيد من الحقوق للمرأة وتأمين حماية أفضل للطفل. ولأجل تحقيق ذلك سلك المشرع سبلا متعددة: جدّد حين بدا له التجديد ممكنا، فتعهّد بثلاثة إصلاحات كانت ضرورية في نظره، ألا وهي موافقة المرأة فيما يتعلق بزواجها، منع تعدد الزوجات وفرض الطلاق القضائي لحلّ رابطة الزواج. سكت المشرّع عن مسألة اختلاف الأديان باعتباره مانعا من الزواج، وعن الميراث، لكنّه استعاد العديد من القواعد التقليدية التي نجدها في مختلف أجزاء مجلّة الأحوال الشخصية، ففيما يتعلق بإنشاء رابطة الزواج يستعيد المشرّع الموانع المؤسسة على القرابة والمصاهرة. ويستعيد أيضا الموانع الراجعة إلى الرضاعة والتطليق بالثلاث وافتراق الزوجين إثر إنكار الزوج للبنوة. حتى أن المجلّة تستعيد نظام العدّة وتفرض تقديم المهر وتميّز بين العقد والبناء واللذين ينتج عن كلّ واحد منهما آثار مختلفة.

أما فيما يخص العلاقات بين الأزواج فقد أبقى المشرّع على سيادة الزوج واعتباره رئيس العائلة وأبقى على واجب الطاعة للزوجة محيلا في ذلك إلى مفهوم القوامة. أمّا فيما يتعلق بالنسب فقد اعتمد المشرّع أحكام الفقه المؤسس على الشرعية وعلى روابط الدم، أما إثبات نسب الابن غير الشرعي والتبني فلا يعترف بهما.

وتستعيد العلاقات بين الآباء وأبنائهم قواعد الحضانة والولاية ويضاف إلى ذلك المواريث التي تأخذ بعين الاعتبار أنواع الورثة والآليات واللامساواة بين الرجال والنساء. قُدّمت مجلة الأحوال الشخصية في مضمونها باعتبارها نتيجة جهد خلاق ناشئ من داخل الإسلام ، وبُرّرت التجديدات عبر الاجتهاد والتفسير الديناميكي للقواعد الدينية وإعادة قراءة للفقه تسمح بتكييف الأحكام مع المتطلبات الحديثة.

وتعكس جملة هذه القواعد والتحديثات والقواعد التقليدية وأيضا الصمت المقصود حينئذ نموذجا قانونيا للأسرة في قطيعة تامة مع النموذج القديم، وأصبحت الأسرة حينئذ أحادية الزواج ومستقرة نسبيا وتتمحور حول الزوجين.

تغيير المجلّة[عدّل]

تدخّل المشرع في مناسبات عديدة واضعا نصب عينيه دائما المبادئ ذاتها: النزعة إلى المساواة بين الرجال والنساء وحماية الطفل. إذ تدخّل ليضيف كتبا كاملة، ففي سنة 1959 أضاف الكتاب التاسع المتعلق بالوصية وأدخل تغييرات مهمة في المواريث ، فوضع المشرع وصية واجبة لصالح الأطفال الصغار الذين توفي عنهم أحد الوالدين، وأضاف الفصل 143 مكرر الذي يمنح للبنات والحفيدات من جهة الأب عبر مبدأ الردّ الحق في حيازة تركة الوالد أو الجد ولو مع وجود بعض العاصبين الذين لهم الامتياز تقليديا، وأضاف سنة 1964 الكتاب الثاني عشر المتعلق بالهبة .

وتدخّل المشرع ليغير بعض تدابير المجلّة ففي سنة 1966 تم استبعاد نظام الحضانة الثابت الذي أقرّه الفقه الإسلامي، إذ أعاد المشرّع تنظيم هذه المادة حول مفهوم مصلحة الطفل. وفي سنة 1981 أعيدت صياغة مرحلة ما بعد الطلاق فالزوجة المطلقة لها الحق فيما يتعلق بجبر الضرر المادي بين أن يؤدّى لها دفعة واحدة أو في صورة مبالغ شهرية . وفي سنة 1993 حدّد المشرّع من جديد الأدوار داخل الأسرة وحوّر بذلك الفصل الثالث والعشرين المتعلق بحقوق الأزواج وواجباتهم، فاختفى واجب الطاعة المفروض على المرأة تجاه زوجها وكذلك مفهوم رئيس العائلة الذي لا يظهر إلا ليؤكد على وجوب النفقة التي يتحملها الزوج. أصبح الزوجان حينئذ يتعاونان على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء، ونلحظ بذلك تعويض العلاقات السلطوية بعلاقات التعاون. وغيّر المشرّع أيضا القواعد المتعلقة بالولاية و بوجوب النفقة وذلك دائما في صالح المرأة باعتبارها زوجة وأمّا. لكنّ المشرّع أبقى على الأحكام القديمة وحافظ على الصمت حين تعلق الأمر بموانع الزواج والتوريث في حالة اختلاف الأديان.

تأويل المجلّة[عدّل]

تتميّز المجلّة بغياب كلي للمرجعية الإسلامية بالنسبة إلى سد الثغرات أو تفسير أحكامها. واعتبرت المجلّة آن صدوره تلاؤما بين الإسلام والحداثة، ولكنها بدت مع مرور الزمن غامضة، فازدواجية المجلّة وثنائيتها المعيارية لم تلبث أن انجرّت عنها كثير من الآثار. فالمجلّة بتغيراتها والمسكوت عنه فيها قادت إلى تفسيرات متضاربة أحيانا.

في البداية بدا القاضي محافظا، ففسر أحكام المجلّة كما المسكوت عنه فيها التفسير الأقرب إلى القواعد التقليدية. وهكذا فإن اختلاف الأديان هو أحد الموانع الشرعية من الزواج ومن الوراثة، أمّا مصلحة الطفل فلا يمكن في مجتمع مسلم أن تمنح بعد الطلاق لأم غير مسلمة مقيمة بالخارج.... ومع مرور الزمن انبثقت قراءة أخرى في فقه القضاء يستند فيها القاضي إلى الحرية الدينية ومبدأ المساواة، وأضحى يعود إلى الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها تونس ويقرأ القانون في ضوء الحقوق الأساسية.وقد فرض هذا الموقف الليبرالي نفسه تدريجيا حتى أصبح هو المهيمن. لكن ثورة جانفي سنة 2011 وخطاب الهوية الذي رافقها أحدثا خوفا من مراجعة لهذه الميزة، فدون المساس بالنص يمكن للتفسيرات الليبرالية لفقه القضاء فيما يتعلق بالمفاهيم المتغيرة،وللمسكوت عنه وللمسائل الغامضة أن يتم استبعادها من قبل القاضي، وهذا ما تأكّد في عدد من الحالات فقد تمّ اعتبار اختلاف الأديان من جديد من الموانع الشرعية للزواج،والحق للزوج في تأديب زوجته ... فإنّ المسارين يتعايشان حتى يومنا هذا في فقه القضاء بنسب مختلفة، وهذا لم يكن ممكنا إلا بسبب مضمون المجلّة ذاتها وبسبب ازدواجيتها.

المجلّة لا تجمع قانون الأسرة في كليته[عدّل]

ظلّت العديد من القوانين التي تغير هيكل الأسرة ذاتها خارج هذه المجلّة. فالقانون المؤرخ في 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية وبالولاية غير الرسمية وبالتبني غيّر الأسرة، فهذه الأخيرة لم تعد مؤسسة على روابط الدم.

ولكنها أيضا تتأسس على الإرادة والعاطفة. وسمح القانون المؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلق بإسناد اسم عائلي للأطفال المهملين وفاقدي النسب كما تمّ تنقيحه في العمق بالقانون المؤرخ في 7 جويلية 2003 بإثبات النسب الطبيعي إلى الأب . من هنا فإن الأسرة لم تعد فقط أسرة شرعية وإنما هي أيضا أسرة طبيعية. وينتج عن القانون المؤرخ في 9 نوفمبر 1998 المتعلق بنظام الاشتراك في الملكية بين الأزواج تعزيز للأسرة النووية وتعزيز للرابطة الزوجية لكنه بقي رغم ذلك خارج مجلّة الأحوال الشخصية.

الخاتمة[عدّل]

تبقى مجلّة الأحوال الشخصية تقليدية في بعض النقاط وصامتة ومقتضبة ومتضمنة لعدة فجوات في نقاط أخرى. وهي غير متناسقة أحيانا، ولكنها تظلّ مجلّة فريدة في العالم العربي، إنها مجلّة حية تبقى "موسومة بالتاريخ ومحملة بالرموز" رمزا للسيادة والحداثة.

كلثوم مزيو الدرعي

هوامش المقال[عدّل]

1- Ahmed Mestiri, La Justice ,dix ans après, Ministère de la Justice, 1966

2- Mohamed Charfi, Le droit tunisien de la famille entre l'Islam et la Modernité, Revue Tunisienne de Droit 1973, p 11

3-القانون عدد 59-77 المؤرّخ في 19 جوان 1959.

4-القانون عدد64-17 المؤرّخ في 2 ماي 1964.

5-القانون عدد 66-49 المؤرّخ في 3 جوان1966.

6-القانون عدد 1-7 المؤرّخ في 1 فيفري 1981.

7-القانون عدد 93-74 المؤرّخ في 12 جويليه 1993.

8-Kalthoum Meziou, Le texte et le contexte, Transitions arabes, Révolte, Gouvernance et géopolitique, Nirvana, 2018, p. 165

9 -Sami Bostangi, Turbulences dans l'application judiciaire du Code du statut personnel: le conflit de référentiels dans l'œuvre prétorienne, Revue Internationale de Droit Comparé, 2009, n° 1, p. 7. L'interprétation du droit tunisien de la famille entre référence à l'Islam et l'appel aux droits fondamentaux. Regards sur cinquante ans de jurisprudence (1960-2010), L'interprétation de la norme juridique, Faculté des sciences juridiques, économiques et de gestion de Jendouba, p. 12

10- Ali Mezghani, Le droit tunisien reconnait ses enfants naturels, Mélanges en l'honneur du Professeur Sassi Ben Halima, CPU, p. 651

11 -Kalthoum Meziou, Le Code du statut personnel, une révolution permanente? Soixantenaire du Code du statut personnel (1956-2016), CPU 2019, p. 5