المذهب الحنفي بالبلاد التونسية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

في أوائل القرن الثاني للهجرة ظهرت بالمشرق العربي مدرستان للفقه و التشريع هما مدرسة الإمام مالك بالحجاز (مدرسة أهل الحديث) ومدرسة أبي حنيفة بالعراق (مدرسة أهل الرّأي). وقد تميّزت كلّ مدرسة منهما بطرق مخصوصة في استنباط الأحكام من أدلّتها الشّرعيّة. فقد تميّزت المدرسة الحنفيّة بالتّوسع في استعمال الرّأي والقياس والاستحسان.

وتميّزت المدرسة المالكيّة بوفرة الأحاديث النّبويّة واعتماد قاعدة المصالح المرسلة وعمل أهل المدينة. وقد جذبت المدرستان نخبة من الشّباب التّونسي. فارتحلوا إلى الشّرق ليتلقّوا الدّروس عن مالك وأصحابه بالمدينة، وعن أبي حنيفة وأصحابه بالعراق، وأخذوا عنهم أصول الدّين والفقه وأساليب القياس واستنباط الأحكام فيما يعرض من المشكلات.ويعتبر عبد الله بن فرّوخ (176هـ/792م) حامل المذهب الحنفي إلى إفريقيّة. فهو الذّي عاصر علي بن زياد حامل لواء المذهب المالكي. لقد اجتمع ابن فروّخ بأبي حنيفة وصحبه مدّة طويلة. وكتب عنه مسائل كثيرة. كان يميل إلى النّظر والاستدلال. ويُروى أنّه ناظر يوما زفر بن هذيل (158هـ/775م) أحد أصحاب أبي حنيفة فازدراه زفر لهيئته المغربيّة. فلم يزل يُناظره حتّى علا ابن فرّوخ عليه وأفحمه بالحجّة والدّليل. فأنكر أبو حنيفة على زفر وعاتبه.

أما الفقيه الحنفي التّونسي فهو أسد بن الفرات (213هـ/828م) الذّي ارتحل بعد أن سمع مالكا بالمدينة، إلى العراق ولقي جماعة من أتباع أبي حنيفة وأخذ عنهم، ثمّ رجع أسد بعد وفاة مالك إلى مصر فأخذ عن أصحاب مالك كابن القاسم (191هـ/806م) وعبد الله بن وهب (183هـ/799م). وأشهب بن عبد العزيز (204هـ/819م). وجمع المسائل التّي تلقّاها في كتاب الأسديّة. ثمّ رجع إلى القيروان. وكان قد اجتمع لديه كتب مختلفة من المدرستين المالكيّة والحنفيّة. فتولّى تدريسها وقد كان كثيرا ما يثار الجدل والنّقاش حول الآراء الموجودة بها. ثمّ جاء سحنون. فهذّبها. وحذف منها المسائل الحنفيّة في مدوّنته [القاضي عياض: ترتيب المدارك، 3 / 298]. ومن تلامذة أسد بن الفرات سليمان بن عمران (270هـ/786م) الذّي صحب شيخه إلى أن استشهد بصقليّة. لقد اختّص سليمان بدراسة الفقه الحنفي وتولّى القضاء زمن سحنون وحكم بمذهبه. ومن أصحاب أسد الحنفيّين أبو سليمان معمر بن منصور. كان فقيها قيروانيّا على عهد العراقيّين وهيثم بن سليمان بن حمدون (275هـ/888م) الذي كان فقيها على مذهب أبي حنيفة ومحمد بن عبد الله بن عبدوس (260هـ/874م) الذي قال فيه محمد بن حارث الخشني: "كان حافظا لمذهب أبي حنيفة موثّقا، كاتبا للّشروط والوثائق، وكان ذا هيبة جميلة عالية، ترك كتابا أثنى عليه ابن حزم وقد اعترض فيه على بعض آراء الشّافعي" (طبقات علماء إفريقيّة، ص193).

وبعد هذه الطّبقة توارى الأحناف أيّام الحكم الشّيعي الإسماعيلي. وذبّ علماء تونس عن مذهب الجمهور وهو المذهب المالكي. وقلّ أتباع الحنفيّة. عندما جاء الأتراك الأحناف سنة 981هـ/1574م بقيادة سنان باشا الذّي دخل تونس لتخليصها من الإسبان بقي عدد من الجيش التّركي بتونس لحفظ الأمن وحراسة البلاد. وبذلك تكوّنت جماعة حنفيّة تحتاج إلى من يقوم بأمورها الشّرعيّة وفقا لمذهب أبي حنيفة. وبالفعل كانت السّلطة المركزيّة بإستانبول ترسل فقهاء أحنافا للقيام بتلك المهمّة. ومنذ ذلك العصر صار القضاء الرّسمي حنفيّا. وأصبح منذ العهد المرادي القاضي المالكي نائبا لزميله الحنفي. وتتوقّف أحكامه على مصادقة القاضي الحنفي، كما أدخل تحوير على نظام الافتاء، وأصبح له صبغة رسميّة، وصار المفتون يحضرون بمجلس الحكم وينتصبون للافتاء بالمحكمة. وكانوا إلى ذلك التّاريخ لا يباشرون مهامّهم بالمحكمة، وإنّما ينتصبون بالمساجد لافتاء المسترشدين.

وأوّل قاضٍ حنفيّ أرسل إلى تونس هو أحمد أفندي. وذلك في أوّل المائة الحادية عشرة زمن عثمان داي. وعنه أخذ جماعة من أهل تونس منهم محمد الغمّاد (1704م) وأبو يحيى الرصّاع (1624م) والشّيخ محمد براو الذّي عاصر يوسف داي. وهذه الطّبقة هي التّي ركّزت المذهب الحنفي ثانية بالبلاد التّونسيّة، بعد أن كان ركّزه أسد بن الفرات زمن ظهور المدرسة الحنفيّة بالعراق. أما أوّل قاض حنفيّ انتصب بتونس بعد الحضور العثمانيّ فهو حسين أفندي. وكان القاضي يباشر مهمّته لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ يعوّض بقاض آخر جديد من الأتراك، إلى أن تولّى هذا المنصب محمد قارة خوجة المشهور ببرناز. وهو من أبناء تونس، وأبوه من رجال الفتح العثمانيّ. فكان أوّل قاض حنفيّ تونسيّ اسٌتغني به عن تعيين قاض من التّرك. ونظرا إلى معضلة اللّغة اضطرّ الأتراك إلى إجراء تحوير بخطّة الافتاء، فكان إذا أشكل الأمر على القاضي التّركي التجأ إلى المفتي لارشاده فيما أشكل عليه. هذا في الميدان القضائي. أما في الميدان العلمي فقد أسّس بايات تونس مراكز تدريس المذهب الحنفي. ومن أحناف تونس: يوسف برتقيز الذّي شرح مختصر القدوري الحنفي، قال حسين خوجة: "هذا الشّرح هو أوّل ثمار المجهودات التّي بذلها الأتراك لنشر المذهب الحنفي...وكأنّ برتقيز شعر أنّ الكتب المرجّحة للأقوال في المذهب المالكي قد تكاثرت بتونس، فآثر أن يسدّ النّقص الذّي يشكوه المذهب الحنفي في هذا المجال" (ذيل بشائر أهل الايمان بفتوحات آل عثمان، ص 55). ونظرا إلى كون القضاة الأتراك يجهلون اللّغة العربيّة وعادات أهلها، طلب علي باشا الأوّل سنة (1157هـ/1744م) تسمية القضاة من البلاد التّونسيّة. ففوّض له الباب العالي أمر اختيار القاضي من علماء الحنفيّة بتونس. فكان أوّل قاض حنفيّ تونسيّ اختاره علي باي، الشّيخ أحمد الطّرودي. وبتخلّص القضاء التّونسي من الهيمنة العثمانيّة، استرجع القضاء المالكي مكانته قياسا بالقضاء الحنفي بإحداث مجلسين شرعيّين. ورغم ذلك بقي القضاة الحنفيّة يتمتّعون بعدّة امتيازات ماديّة وأدبيّة دون القضاة المالكيّة، منها حقّ الأولويّة في الاستقبالات الرّسميّة. ولم تخف وطأة هذه الامتيازات منذ عهد أحمد باي الأوّل.

وكانت خطّة شيخ الاسلام خاصّة بعلماء الحنفيّة. أمّا المجلس الشّرعي المالكي، فإنّ رئيس أهل الشّورى هو الذّي يمثّله ولم يلقّب رئيس الفتوى المالكي بلقب شيخ الاسلام إلاّ سنة 1351هـ/1932م. وأوّل من أسند إليه هذا اللّقب هو الشّيخ محمد الطّاهر ابن عاشور. ومن العائلات العلميّة الحنفيّة بتونس عائلات خوجة وابن خوجة وبلقاضي وبوشناق وبيرم وبرناز ولصرم والبارودي والتّرجمان وابن مراد وكرّيم وابن محمود. وكان أوّل مفت على المذهب الحنفيّ بعد الظّهور العثمانيّ الشّيخ رمضان أفندي وأوّل من لقّب بشيخ الاسلام الحنفيّ هو علي الصّوفي بعد عودته من مهمّة رسميّة بالأستانة. ومن أبرز العائلات الحنفيّة التّي هيمنت على المناصب الشّرعيّة مدّة طويلة عائلة بيرم بداية من محمد بيرم الأوّل (1219هـ/1800م) إلى شيخ الاسلام أحمد بيرم ثمّ خلفتهم عائلة ابن خوجة. وآخر من تولّى خطّة شيخ الاسلام الحنفي هو محمد عبّاس. وذلك إلى أن استقلت البلاد وألغيت المحاكم الشّرعيّة سنة 1375هـ/1956م. وبقي المذهب الحنفيّ موجودا بالبلاد التّونسيّة حتّى بعد استقلال البلاد. ولقد تقلّد الشّيخ محمد الهادي بن القاضي الحنفّي (ت1979م) خطّة مفتي الجمهوريّة التّونسيّة. ورغم قلّة أتباعه بتونس فإنّ هذا المذهب يعدّ من أوسع المذاهب الفقهيّة انتشارا في العالم الاسلامي وخصوصا في الشّرقين الأوسط والأقصى.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • المجدوب عبد العزيز، الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر،تونس، 1985.