قوصرة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قوصرة

قوصرة أو قوسرة جزيرة إيطالية تسمى اليوم بنطلاريا (Pantelleria) تبعد 100 كم عن صقليّة و76 كلم عن المدينة التّونسيّة قليبية (كليبيا) وهي رعن بركاني مساحته 83 كم2 يخلو من الماء العذب يشرف من ارتفاع 836م، عدد سكّانه 10000نسمة. وتسمية قوصرة - كما يرسمها ياقوت الذي يقترح لها أصلا عربيا - قفة التمر، وأغلب المصادر، تؤكّد أنها من أصل يوناني. وهو تحريف كوسيرا Cossyra، ويتجلّى بصفة أوضح في الشّكل الذي وثّقه واحتفظ به البكري: قُوسرَة. ومن جهة أخرى، لا ريب أنّها كانت تنطق بصفة دارجة قوصرة، ثمّ وقع تعريبها في النصوص، تماثلا مع صيغة عربية، فأصبحت قوصْرَة. ولمّا كانت قوصرة ذات قيمة إستراتيجيّة واقتصاديّة متواضعة، فإنّها لم تشغل المؤرّخين إلاّ قليلا، ولا نظفر إلاّ بمعلومات قليلة في شأنها في المصادر العربية. فعند غزو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح لافريقيّة (27هـ/647 - 648م) تجمّع سكّان جزيرة شريك (الوطن القبلي) بقليبية ولجؤوا مؤقّتا إلى قوصرة. وبعد نصف قرن، حوالي 81هـ/700م، ذهب عبد الملك بن قطن - وقد آل به الأمر إلى أن يصبح واليا على الأندلس - لاجتياح الجزيرة، ويرجّح أنّه انطلق من مصر.

وقد واصلت قوصرة إثر ذلك من دون شكّ استقبال الأساطيل الإسلاميّة الزائرة من حين إلى آخر لمّا بدأت في اجتياح البحر الأبيض المتوسط. وفي سنة 221هـ/836م، كانت قوصرة في أيدي البيزنطيّين، وكانت تستخدم قاعدة لأسطولهم المقاتل ضدّ أسطول الأغالبة الذين شرعوا منذ 212هـ/827م في غزو صقليّة. ولا يعرف متى استولى عليها هؤلاء. لكنّها كانت ملكا لهم بعد، سنة 250هـ/864م. وبداية من هذا التّاريخ، غدت الجزيرة التي عرّبت وأصبحت مسلمة تماما جزءا من إفريقيّة، حتّى العهد الموحّدي.

وبالطبع لم تفلت من الصراعات التي تواجه فيها نرمان صقلية والزيريّون. ففي نواحيها، غرق الأسطول المكوّن من 400 سفينة الذي جهزه المعز بن باديس (407 - 454هـ/1016 - 1062م) لنجدة مسلمي صقليّة في ذي القعدة 416/جانفي 1026. وهناك أيضا، تجمّعت أساطيل بيزا (Pise) وجنوة سنة 480هـ/1087 - 1088م، وكانت تعتزم مهاجمة إفريقيّة. وقد أنذر مسلمو الجزيرة تميما (454 - 501هـ/1062 - 1108م) بوساطة الحمام الزاجل بالخطر الذي يهدّده. وفي سنة 517هـ/1123م، نهب الأسطول النرماني قوصرة، في طريقه إلى المهديّة، واجتاحها، وقتل سكّانها. وأخيرا، في سنة 543هـ/1149 1148م، استولى الأسطول الصقليّ الذي كان يقوده جورج الأنطاكي (Georges d'Antioche) على الجزيرة، قبل أن يذهب لانتزاع عاصمة الزيريّين.

وقد استرجع الموحّدون قوصرة دون شكّ إثر ذلك. فهم الذين قدموا لتحرير إفريقيّة من الحضور المسيحي، وتوحيد المغرب، ولم يكن ذلك لوقت طويل. ففي معاهدة عقدت بتاريخ 15 جمادى الثّانيّة 618 / 6 أوت 1221، مع الإمبراطور فريديرك الثاني، تخلّى حاكم تونس الموحّدي عن قوصرة لصقليّة، بشرط أن يتمكّن مسلمو الجزيرة من التمتّع بالاستقلال الاداري والقانوني، وأن يدفع نصف الضرائب المأخوذة منهم لافريقيّة (ماس لاتري معاهدات...، باريس، 1886, ص 153 - 155) ومن هنا، اتّبعت قوصرة مصير صقليّة، وارتبطت بعض الوقت بمملكة أراغون (Aragon)، وربما اكتسبت من القطلونيّين (Catalans) تسميتها الجديدة بنطلاريا Pantelleria، غير أنّ حكام تونس لم يتخلّوا تماما عن فكرة استعادتها. وتضبط معاهدة غريبة بتاريخ 1403م، الشروط التي يمكن لحاكم أراغون أن يستولي على جربة، وحاكم تونس على قوصرة. لكنّ هذه المعاهدة الغريبة لم تطبقّ على الاطلاق.

وقد بقي سكّان قوصرة طويلا مسلمين، حتّى إنّ ياقوت المتوفّى 626هـ/1228م يحدّد أنّهم كانوا، في القرن السابع هـ/الثالث عشر م، يتكوّنون من الوهبيّة (أصيلي جربة؟) الذين كان شظفهم ملائما تماما لوضع الجزيرة ومواردها الشحيحة. وعملت السلط المسيحية الجديدة كل ّ العمل على الاحتفاظ بهم. وهكذا نرى، سنة 1438م، ألفونس الأراغوني (Alphonse d'Aragon) يشكو إلى سلطان تونس من تشجيع بعض الموظّفين الحفصيّين أهل قوصرة على الهجرة. وطالب سفيره بعودة المهاجرين، وربّما بإقرار أفارقة جدد في الجزيرة. ولا ندري في أي تاريخ دخلت المسيحية قوصرة، لكنّ فازلوّ (Fazello) الذي يذكره أمّاري (Amari) (تاريخ 895،III Storia) يخبرنا بأنّه منذ بداية القرن العاشره/السادس عشر م، كان المسيحيّون والمسلمون بها يرتدون نفس الملابس ويتكلّمون عين اللّسان ذاته. وهذه اللّغة حسب بوني (Bonnet) التاجر البروفنسي الذي استرقّ بتونس، وتمكّن من الفرار منها كانت، في التّاريخ الذي لجأ إلى قوصرة، أي سنة 1670، هي اللّغة نفسها التي يتكلّم بها في مالطة، وقد كانت إذن عربية، لا بد أنّها قد تغيّرت بعد على نحو عميق. وقد كانت موارد الجزيرة دائما شحيحة. وإن كانت غاباتها توفّر خشبا ذا نوعية ممتازة، ويقال إنّه كان يصطاد فيها الماعز الوحشي. وفي منتصف القرن السابع عشر، حسب بوني كانت تجارة الجزيرة تنحصر في الخمور، والفحم، والخشب، وكان سكّانها ينقلونها إلى صقليّة ومالطة (ب. غرانشان P.Grandchamp، تاجر بروفنسي 146).