عبد السلام بن سعد المعروف بسحنون بن سعيد التنوخي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[160 - 240هـ/776 - 854م]

الإمام سحنون

اتخذت الدولة الأغلبية مدينة القيروان قاعدة ملكها وعاصمة إفريقية، وكانت هذه المدينة في القرن الثاني تستقبل الوافدين من المشرق من جنود الفتح الاسلامي ومن أعلام الثقافة وفقهاء الشريعة، وهي معبر المغاربة والأندلسيين في طريقهم إلى الحج وفي رحلاتهم العلمية، وهي قبلة طلبة العلم ورواد فنونه المختلفة. وفي رحاب مساجدها تعقد مجالس الدروس والمذاكرة، وتنظّم حلقات الجدل والمناظرة. وتجلّت نزعة أهلها إلى مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس فارتحل إليه منهم أكثر من ثلاثين رجلا رجعوا إلى موطنهم بما أخذوا عنه من الفقه المدني وما رووا من الأحاديث والآثار، فنشروا ذلك في ربوع إفريقية ومهّدوا للمذهب المالكي الرسوخ بها.

كان من الوافدين على القيروان مع الجند الاسلامي سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكّار بن ربيعة التنوخي من العرب المجاهدين الناشرين للدّين الإسلامي في ربوع الشمال الافريقي. وفد سعيد من حمص بالشام واستقرّ بالقيروان مثل كثير من أبناء القبائل العربية الذين آثروا سكناها. في سنة 160هـ/76 - 777م ولد ابنه أبو سعيد عبد السلام في سوريا وعاش بالمشرق ثلاث عشرة سنة ثم قدم إلى القيروان وترعرع فيها مستفيدا من حياتها الثقافية وجوّها العلمي ومعارف مشائخها وحسن أدبهم، ثم لقّب بسحنون وهو اسم طائر حديد النظر وذلك لما لوحظ عليه من جودة النظر في المسائل التي يبحثها. ورغم أنّ عبد السلام بن سعيد يثق أنّه ينحدر من قبيلة تنوخ فقد روى محمد ابنه "قلت: يا أبت! أنحن صليبة من تنوخ؟ فقال لي، وما تحتاج إلى ذلك؟ فلم أزل به حتى قال لي: نعم، وما يغني عنك ذلك من الله شيئا إن لم تتّقه. في القيروان أخذ سحنون عن كثير من أعلامها، ومن شيوخه بها:

وفي تونس أخذ سحنون عن:

  • أبي الحسن علي بن زياد العبسي، وهو طرابلسي نزيل تونس، سمع من مالك وسفيان الثوري وغيرهما، وكان سحنون يقصده للاستفادة منه كلما توفّرت له النفقة للسفر من القيروان إلى تونس.

ولم يقتصر سحنون على الأخذ عن شيوخ القيروان وتونس، بل حفزته همته العلمية إلى الرحلة إلى المشرق للأخذ عن معاصريه من أعلامه. وفي عهده كانت الرحلة مبتغى الطلبة للاكثار من الشيوخ وتنمية الملكات وكانت وسيلة ناجعة لربط الصلة بين أعلام الاسلام وتبادل الكتب ورواية الأحاديث وأخذ الاجازات، وبالنسبة إلى المغاربة يضاف الحرص على ملاقاة مالك بن أنس ثمّ أصحابه من بعده. وفي تعيين تاريخ الانطلاق لرحلة سحنون خلاف بين مترجميه. ينقل عنه أنّ خروجه إلى ابن القاسم كان وهو ابن خمس وعشرين، وأنّه عاد إلى إفريقية وهو ابن ثلاثين سنة.

وينقل عن ابنه أنّه خرج إلى مصر أوّل سنة 178هـ/794م في حياة مالك. وقال أبو العرب: رحل سحنون في طلب العلم أوّل سنة 188هـ/804م. وأورد القاضي عياض احتمال أنّ تكون له رحلتان، وإن لم يكن ذلك فيكون الصحيح ما قال ابنه، لأنه سمع من ابن نافع المدني وهو متوفى سنة 186هـ/802م. والراجح أنّ له رحلتين، وأنّه لم يكتب له أنّ يلقى فيهما مالكا، فهو يقول: كنت عند ابن القاسم (يعني بمصر) وجوابات مالك ترد عليه. ويذكر أنّه سئل عما منعه من السماع من مالك فقال: قلة الدراهم. وينقل عنه أنّه قال مرّة أخرى: لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت مالكا. على أنّه أخذ علم مالك وروى أحاديثه وتلقّى مذهبه بوساطة من أدرك من طبقة تلاميذه. ففي مصر سمع من ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم ويوسف بن عمرو. وفي المدينة سمع من عبد الله بن نافع الصائغ ومعن بن عيسى وأبي ضمرة أنس بن عياض وعبد الملك بن الماجشون ومطرف بن عبد الله وغيرهم. وفي الشام سمع من الوليد بن مسلم ومن أبي سعيد أيوب الحميري.

وسمع من سفيان بن عيينة بمكة وأصله من الكوفة وسمع من عبد الرحمان بن مهدي البصري، ووكيع بن الجراح الكوفي، وحفص بن غياث البصري، ويزيد بن هارون الواسطي، وأبي داود الطيالسي وغيرهم. ولقد كان عبد السلام سحنون حريصا في رحلته على أن يستوعب فقه مالك ويروي جميع ما أثر عنه، وقد قال لابنه محمد عندما عزم على الحج: "إذا أردت الحج تقدم طرابلس، وكان فيها رجال مدنيون، ومصر وفيها الرواة، والمدينة وفيها عشيرة مالك، ومكة، فاجتهد جهدك فإن قدمت علي بلفظة خرجت من دماغ مالك، ليس عند شيخك - يعني نفسه - أصلها، فاعلم أنّ شيخك كان مفرطا". وقال مرّة: "إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأمّ القرآن". ولقد أعجب المشارقة بشخصية سحنون عندما حلّ بينهم. فهذا أبو زيد بن أبي الغمر يقول: "لم يقدم علينا أحد أفقه من سحنون". وهذا أبو علي البصري يقول: "سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وعالم وقته". وهذا عبد الرحمن بن القاسم يقول: "إن يكن أحد يسعد بهذه الكتب فسحنون المغربي... ما قدم إلينا من إفريقية أحد مثل سحنون". وقد نصحه شيخه ابن القاسم بأن يتفرّغ لخدمة العلم "فالعلم أولى به من الجهاد وأكثر ثوابا" كما قال ابن القاسم. بهذه الرحلة العلمية زكت الملكة الفقهية للإمام سحنون، وحصل من الاثار والنقول ما يدعّم به أحكام مذهبه، وما يساعده على استنباط أحكام لما يعرض له من المسائل المستجدّة، واطلع على اختلاف أصحاب الامام مالك، وألمّ بآراء معاصريه من أعلام المدينة وأقران مالك ابن أنس، ودون إصابات ابن القاسم المتضمنة لاجتهاده ولفقه مالك وبعض أصحابه وغيرهم من أقطاب العلم بالمدينة المنوّرة. وقد صحب سحنون في رحلته كتاب أسد بن الفرات الموسوم بالأسدية والمتضمّن لما كان دونه بها أسد في رحلة سابقة من فقه مالك وفقه أصحاب أبي حنيفة بالعراق، أخذها معه ليعرض مسائلها على ابن القاسم أشهر تلاميذ مالك وألزمهم لمجلسه إذ صحبه مدّة عشرين سنة.

وأعظم ما أثمره اتصال سحنون بابن القاسم في مصر ومذاكرته إياه والمباحثة معه الموسوعة الفقهية الموسومة بالمدوّنة الكبرى، وقد عاد بها إلى القيروان غانما، وهي لا تخلو من اختلاط اتسمت به بعض مسائلها ومن أجله وسمت بالمختلطة إضافة إلى تسميتها بالمدونة. وفي طريق الإياب حلّ سحنون بأجدابية حيث سمع منه أهلها ثم نزل بطرابلس. ولما وصل إلى القيروان انتصب للتدريس وإسماع المدونة على ما هي عليه، ثم لم يلبث أن انكبّ على ترتيبها وتهذيبها ودعمها بالاثار، خاصة ما استمدّه من موطإ ابن وهب، وألحق بها بعض مسائل الخلاف الجاري بين كبار أصحاب مالك بن أنس.

حرص سحنون على بثّ ما أوتي من علم وعلى نشر المذهب الذي اتبع أصول إمامه وأغناه باجتهاده وهو المذهب المالكي، حرص على ذلك بكل إخلاص، فعرف رحابُ جامع عقبة دروسه المفيدة وعقد مجالس ببيته وببعض مساجد القيروان، فذاع صيته وطبقت شهرته الافاق، وأصبح الطلبة يشدون الرحال لحضور مجالسه العلمية، ويتوافدون من أقطار مختلفة يكرعون من مناهله العلمية ويتخرجون في مدرسته المالكية القيروانية التي ضاهت المدرسة المالكية العراقية. قال القاضي عياض السبتي: "لم ينجب أحد في العراق من الأصحاب بعد إسماعيل القاضي ما أنجب أبوبكر الأبهري، كما لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار إلاّ سحنون بن سعيد في طبقته". وقال ابن حارث الخشني المؤرخ: "سمعتهم يقولون: كان سحنون أيمن عالم دخل المغرب، كان أصحابه مصابيح في كلّ بلد، عُدّ له نحو سبعمائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسته". وقال أيضا:

"ويقال: إنّه ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بورك لسحنون في أصحابه، فإنهم كانوا أيمة بكل بلدة".

فمن أشهر أصحابه الإفريقيين نذكر:

  • ابنه محمدا، فقد أخذ العلم عنه وكان عليه معتمده. توفي سنة 256هـ/870م تاركا تآليف قيّمة في الفقه والتربية والحديث والتاريخ.
  • محمد بن عبدوس، لازم سحنون وعدّ من كبار أصحابه. توفي سنة 260هـ/73 - 874م.
  • سليمان بن سالم قاضي صقلية وناشر مذهب مالك بها. توفي سنة 282هـ/895م.

ومن أصحاب سحنون الأندلسيين الراحلين إليه للأخذ عنه:

  • يحيى بن عمر الكناني نزيل سوسة ودفينها. توفي سنة 289هـ/902م.
  • محمد بن مطروح القرطبي المتوفى سنة 271هـ/884م
  • إبراهيم بن القزاز المتوفى سنة 273هـ/886م.
  • أصبغ بن خليل العالم الفقيه الموثق المتوفى سنة 273هـ/886م.
  • قاسم بن سيار القرطبي، له رحلتان إلى المشرق. توفي سنة 276هـ/889م.

وقد نوّه المترجمون لأعلام الأندلس في القرن الثالث بسبعة من أهل مدينة ألبيرة الأندلسية رووا عن سحنون في وقت واحد، وهم:

  • عمر بن موسى الكناني المتوفى سنة 259هـ/72 - 873م
  • سليمان بن نصر بن منصور المتوفى سنة 260هـ/73 - 874م.
  • إبراهيم بن شعيب الباهلي المتوفى سنة 265هـ/78 - 879م.
  • إبراهيم بن خالد الفهري المتوفى سنة 268هـ/81 - 882م.
  • سعيد بن النمر الغافقي المتوفى سنة 269هـ/82 - 883م.
  • إبراهيم بن خلاد اللخمي المتوفى سنة 270هـ/83 - 884م.
  • أحمد بن سليمان بن أبي الربيع المتوفي سنة 287هـ/900م.

وأضاف إليهم القاضي عياض ثامنا هو محمد بن عبد الله بن قنون المتوفى سنة 261هـ/74 - 875م. وقد اشتهر الأندلسيون بتقديرهم للإمام سحنون، إذ كانوا يستفتونه ويأخذون عنه ويسمعون مدونته ويتناقلونها جيلا عن جيل، وعليها يعوّلون في دراسة المذهب المالكي السائد بربوعهم منذ عمل على نشره بينهم تلاميذ مالك الأندلسيون، وفي مقدمتهم الفقيه أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن اللخمي الملقب بشبطون المتوفى سنة 193 تقريبا والمحدث الفقيه يحيى بن يحيى الليثي المصمودي المتوفى سنة 234هـ/48 - 849م.

وقد دعم المذهب بالأندلس أميرها هشام بن عبد الرحمن (172 - 180هـ) الذي صيّر القضاء والفتيا على هذا المذهب، ثم أميرها الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله (350 - 366هـ) الذي آزر المذهب بسلطانه. وبفضل طبقة تلاميذ سحنون الأندلسيين ترسّخ المذهب بالربوع الأندلسية علميا ومعنويّا حيث درسوا "المدونة" ونشروها وأقبلوا على العناية بها فوضعوا عليها عدّة شروح ومختصرات وتقاييد وتهاذيب، وكان العالم يجيز بها طلبته والأب أبناءه، وفي كتب برامج الشيوخ أسانيدها الأندلسية. ومن أطرف أسانيدها عندهم سند لم تخرج حلقاته عن نطاق عائلة علمية هي عائلة ابن أبي جمرة الأندلسية. قال ابن عبد الملك المراكشي، أحد أقطابها من أعلام القرن السادس، هو أبو بكر محمد ابن ابي جمرة: "جده عبد الملك الأعلى ابن ابي جمرة كان قد سمع بالقيروان على سحنون بن سعيد، ومن طريقه بواسطة آبائه على نسقهم أبا فأبا يروي المدونة عن سحنون، وهذا من جلة أسانيد المعالي". وكان أبو بكر هذا فقيها حافظا أديبا ولي قضاء بلنسية سنة 540هـ/95 - 1196م وتوفي سنة 599هـ/02 - 1203م.

هذا، ولما اشتهر الإمام سحنون وعرفت مكانته العلمية ونزاهته رغب الأمير الأغلبي محمد بن الأغلب أنّ يسند إليه خطة قضاء إفريقية، وذلك بعد أنّ استشار بعض العلماء في الأمر لكنّ سحنون امتنع من قبول الخطة، فألحّ عليه الأمير أن يتولاّها وحلف عليه "وأغلظ عليه أشدّ الغلظة" فلم يقبل سحنون إلاّ بعد أن تأكد أنّ الأمير أطلق يده في إجراء العدل وتنفيذ الحق ومقاضاة من قبلهم ظلامات للناس من أفراد الأسرة الأغلبية الحاكمة.

وكتب الشيخ عبد الرحيم الزاهد إلى سحنون يستنكر قبوله الخطة، فردّ عليه قائلا: "أصبحت، وقد وليت أمر هذه الأمة، أؤدبهم على دنياهم، فلعمري إنّه من لم تصلح له دنياه فسدت له أخراه". كان يشعر بثقل المسؤولية ويعتبر أنّه ابتلي بتحمل أمّانة مهمة فلم يظهر الفرح بتوليه المنصب ولم يتقبّل التهاني من إخوانه، ولم تبلغ به شدّة الحذر إلى درجة الاصرار على الرفض، وكان له الرأي السديد في الردّ على من استنكر عليه قبول الخطة، وكانت له مواقف في إقرار العدل وحماية الحقوق ومراعاة المصالح.

وممّا يدلّ على شعوره بثقل المسؤولية القضائية ما ألمحنا إليه من محاولة التخلي عنها، ثم قبولها بشروط تخوّل له حسن أداء الأمانة وإزاحة العقبات من طريقه وتمهيد السبيل لاجراء العدل. كما يدلّ على ذلك أيضا أنّه لما أسندت إليه الخطة دخل على ابنته خديجة - وكانت من خيار النساء - فقال لها: "اليوم ذُبح أبوك بغير سكين"، وقد كان واثقا أنّ من ولي الخطة من غير مسألة أعين عليها. ولم يأخذ سحنون لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان طيلة مدة قضائه التي ابتدأت في الثالث من رمضان سنة 234هـ/أفريل 849م، واستمرّت إلى وفاته في أوائل رجب سنة 240هـ/854م، فكانت مدّة ولايته تناهز ست سنوات، وإنما كان هذا السلوك منه على سبيل الورع، وإلاّ فهو قائل بجواز الأخذ من بيت المال على تولي القضاء. وبذلك ضمن استقلالا في مهمته وأقام حدا للتدخل في عمله، ولم تبتذل الخطة على يديه. وكان يأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب، وإذا تأخر صرف مكافأتهم تدخل لدى الأمير للتعجيل بدفعها، وقد خاطبه مرّة بقوله: "حسبت أرزاق أعواني وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك، ولا يحلّ لك ذلك، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعط الأجير حقه قبل أنّ يجف عرقه". وكانت لسحنون مواقف جليلة في تطوير القضاء وإجراءات التداعي وفي تأديب الخصوم، وردع المتعنتين والظلمة، وله جهد ملحوظ في تنظيم خطة الحسبة ومقاومة المنكرات استئصالا لشأفتها، وهو أوّل من نظر في الأسواق وأوّل من "فرق أهل البدع من الجامع، وشرّد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقا... يتناظرون به ويظهرون زيغهم" كما قال القاضي عياض.

ومع اشتغال سحنون بالعلم فإنّه كان يمارس العمل الفلاحي بيده، إذ كان يملك زيتونا بمنطقة الساحل التونسي يتردد عليه ويقوم بفلاحته بنفسه. وقد يقصد طلبته بيته بالساحل للأخذ عنه. آثر أن يعيش بكدّ يمينه وأن ينفق من دخله الخاص وكلما فاض هذا الدخل عن حاجته تصدق به وأحسن إلى فقراء القيروان ومعوزيهم، وقد يغدق على المحتاج الدنانير الكثيرة، وكان ورعا متواضعا في مأكله وملبسه، تبدو عليه خشونة العيش.

ولقد لاحظ طلبته سلوكه الأمثل ومستواه العلمي الرفيع وحرصه على إفادتهم فلهجت ألسنتهم منوهة به. من ذلك ما قاله سليمان بن سالم: "دخلت مصر فرأيت فيها العلماء متوافرين... ودخلت المدينة وبها أبو المصعب ودخلت مكّة وبها ثلاثة عشر محدثا ودخلت غيرها من البلدان ولقيت علماءها ومحدثيها، فما رأيت بعيني مثل سحنون وابنه بعده". وقال عيسى بن مسكين: "سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون".

وتطابقت أقوال مترجميه في الثناء عليه مع أقوال تلاميذه، من ذلك أنّ المؤرخ أبا العرب التميمي ألف كتابا خاصا في فضائله وقال عنه: "كان سحنون ثقة حافظا للعلم فقيها، اجتمعت فيه خلال قلّما اجتمعت في غيره، الفقه البارع والورع الصادق والصرامة في الحق والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة، وكان لا يقبل من السلاطين شيئا، وربما وصل أصحابه بثلاثين دينارا ونحوها، ومناقبه كثيرة". وقال المؤرخ أبو بكر المالكي: "كان... رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع، متواضعا، قليل التصنّع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر، شديدا على أهل البدع، لا يخاف في الله لومة لائم، انتشرت إمامته في المشرق والمغرب وسلّم له الامامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه. ومناقبه كثيرة وقد ألّف فيها أبو العرب كتابا مفردا".