درغوث

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1485 1565م]

درغوث

هو أحد غزاة البحر العثمانيين العظام، ركب السفن الغزوية منذ صباه، ودرب على الجهاد في البحر في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط أولا، وارتقى درجات العمل البحري درجة درجة من نوتي حدث إلى نوتيّ ثم مدفعي ثم ربّان يقود سفينة واحدة ثم رئيس (أو رايس بالمصطلح المغربي) في البحر يقود مجموعة صغيرة من السفن الحربية الخفيفة السريعة المعدّة للهجومات الخاطفة على سفن العدو أو الغارات المدمّرة على السواحل. وقدم كغيره من غزاة عصره مثل الأخوين المجاهدين عروج وخير الدين وسنان الازميري وصالح رايس إلى الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط وقام بغارات في بحر الأدرياتي وغزا سواحل إيطاليا وصقلية، كما شارك مدة سنوات عدّة في الغزوات التي كان يشنّها خير الدين على سواحل إسبانيا لانقاذ الأندلسيين المضطهدين ونقلهم إلى موانئ الجزائر وتونس، وعمل قائدا لقطعة من الأسطول النظامي العثماني (العمارة العثمانية) تحت إمرة خير الدين عندما عيّنه السلطان سليمان القانوني قبودان باشا أي قائدا أعلى للعمارة العثمانية، وعين قائدا أعلى للعمارة مدة سنتين فقط، وقلد في آخر حياته منصب باشا طرابلس الغرب.

إذا صحّ أن درغوث توفّي وعمره ثمانون سنة تحت أسوار برج سان إلمو (San Elmo) في أثناء غزو الأسطول والجيش العثمانيين لمالطة سنة 973ه / 1565م، كما جاء في كتاب "حصار مالطة" لجان لكهيد فإن درغوث (تُرْقُتْ باللسان التركي) ولد في قرية من قرى الأناضول القريبة من الساحل اسمها سرابالاز. نعرف دون تحديد للزمن أنّ درغوث لما اشتدّ عوده وأصبح رئيسا في البحر غادر منطقة بحر إيجه وأصبح يقوم بغزواته في البحر الأدرياتي الذي تسيطر عليه مدينة البندقية. وربّما يعود سبب مغادرة درغوث المياه التي شب فيها وترعرع إلى تلبيته لدعوات النجدة التي كانت تأتي تباعا إلى إستانبول من الأندلس ومن منطقة المغرب العربي التي كانت تعاني من هجمات الاسبان ومن احتلالهم بعض موانئها.

وفي تاريخ غير محدد أيضا نزل درغوث بجزيرة جربة قادما من البحر الأدرياتي، وقد استولى على سفينتين كبيرتين للبنادقة. وفي الجزيرة باع الأسرى والغنائم التي ظفر بها. ثمّ كسّر السفينتين وصنع بأخشابهما أربع سفن حربية صغيرة وخفيفة ذات مجاديف تسمى الواحدة منها غليوطة وهي أصغر وأسرع من الغراب، وهي السفينة الحربية العادية. لم ينزل درغوث بجربة مصادفة فقد نزل قبله بها عرّوج ثمّ أخوه خضر. ذلك أنها كانت الجزيرة الاسلامية الوحيدة التي تقع في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط والتي تصلح أن تكون مأوى للغزاة، ومشتى لهم، وسوقا لبيع غنائمهم وشراء ما يحتاجون إليه من المؤونة والعتاد بفضل ثراء الجزيرة ونشاط سكانها، وميناء آمنا لارساء سفنهم وتنظيفها وإصلاح المعطوب منها وصنع سفن جديدة، ومعقلا عند الاقتضاء لقوة شكيمة أهل جربة وعشقهم للحرية واستعدادهم الدائم للجهاد. قيل إنّ خير الدين أهدى درغوث غليوطة فضمّها إلى مراكبه وأصبح يقود مجموعة من السفن الحربية تعدّ خمس غلايط. وقد سبق أن قدم خير الدين إلى جزيرة جربة من المشرق باحثا عن أخيه عروج ومعه "جفن أودع فيها شيئا من عدة الخشب التي تصنع منها الأجداف وكذلك أودع فيها شيئا من المجاديف" (غزوات عرّوج وخير الدين، ص 14) لأنه يعلم أنّ المنطقة التي قصدها تفتقد إلى الخشب الذي تصنع منه السفن ومعدات السفن مثل الصواري والمجاديف. وقد لجأ الأخوان عروج وخير الدين في أوائل إقامتهما بجربة وتونس إلى صنع سفن جديدة باستعمال قطع يقتطعونها من سفن الأعداء التي يستولون عليها في البحر. ولعل أحد الأسباب التي دعت عروج وخير الدين إلى مغادرة جربة وحلق الوادي واتخاذ جيجل قاعدة لهما هو الحرص على الاقتراب من غابات منطقة "القبائل" الغنية بأنواع عدّة من الأخشاب.

قضّى درغوث سنوات عدّة في ظلّ خير الدين وشارك تحت إمرته مع غيره من الغزاة العثمانيين الاخرين مثل سنان الازميري وصالح رايس في عمليات إنقاذ الأندلسيين المضطهدين ونقلهم من إسبانيا إلى المدن الساحلية المغربية. ولكن درغوث لم يطف على سطح الأحداث إلاّ في سنة 945هـ / 1538م عندما كان قائدا للجناح الأيمن للعمارة العثمانية في معركة "بريفيزا" (Prevesa) البحرية التي تغلب فيها الأسطول العثماني وقد كان يتألّف من مائة وخمسين سفينة حربية بقيادة خير الدين باشا على تجمّع ضخم للأساطيل الحربية لاسبانيا والبرتغال والبندقية وجنوة والدويلات الايطالية التي تعترف بسلطة البابا يعدّ مائتي سفينة حربية معززة بمائتين وخمسين مدفعا يركبها ستون ألف مقاتل. وكانت جميع الأساطيل التابعة لاسبانيا أو الحليفة لها بقيادة أمير البحر الجنوي أندريا دوري (Andrea Doria) الذي قدم خدماته منذ سنة 934هـ / 1528م للامبراطور شارل الخامس فعيّنه قائدا أعلى للأسطول الاسباني.

إنّ هذه المعركة البحريّة التي جرت أمام الساحل الغربيّ لبلاد اليونان والتي انسحب فيها دوريا بأسطوله مهزوما في اتّجاه جزيرة كرفو تركت في أذهان قادة الدولة المسيحية الشعور بأنّ العمارة العثمانية لا تغلب. ولذلك لم يجرؤ الإسبان أو الإيطاليون بعد هذه الهزيمة البحرية التي لحقتهم رغم تفوقهم من ناحيتي العدد والعدة على التعرّض للعمارة العثمانية في أثناء العمليات الحربية التي كانت تقوم بها كلّ سنة تقريبا في الصيف ضدّ سواحل صقلية وإيطاليا وجزيرة مالطة، وذلك مدة ثلاث وثلاثين سنة أي من سنة 945هـ / 1538م إلى سنة 979هـ / 1571م. وهي السنة التي جرت فيها وفي المياه نفسها معركة ليبانت (Lépante) التي دارت فيها الدائرة على العمارة العثمانية إذ واجهت تحالفا نصرانيا جمع أساطيل من مختلف البلدان وجعلها تحت قيادة دون خوان النمساوي. وعندما خرجت العمارة العثمانية في السنة الموالية 946هـ / 1539م، من إستانبول بقيادة خير الدين باشا قاصدة حصن كاستلنووفو (Castelnuovo) بمقاطعة طسيا على ساحل البحر الأدرياتي، كان درغوث مساعدا للقبودان باشا. وبعد احتلال الحصن عادت العمارة إلى إستانبول. وكلّف خيرُ الدين باشا درغوث بالقيام بعمليات تخريب على شواطئ إسبانيا وإيطاليا كانت دائما من نصيب الأغربة الغزوية والغلايط لخفتها وسرعتها وقدرتها على مباغتة العدوّ وهي تستخدم في أغلب الأوقات المجاديف فقط غير رافعة للقلاع.

ركّز درغوث جهوده في تلك السنة على شنّ غارات مدمرة على القرى الواقعة على خليج جنوة. واحتل في تلك المنطقة جزيرة كابراك (Capraca) وأسر جميع سكانها وعددهم سبعمائة نسمة. وكأنّه أراد أن يتحدّى أمير البحر الاسباني أندريا دوريا أصيل مدينة جنوة في عقر بيته. وفي السنة الموالية 947هـ / 1540م، قرر أندريا دوريا أن يبحث عن درغوث في مكامنه المحتملة لمنازلته في البحر. فتوجّه ومعه خمسة وخمسون غرابا إلى خليج ڤابس. ولكن لمّا وصل إلى تلك المنطقة علم أنّ درغوث يهاجم في ذلك الوقت نفسه سواحل خليج جنوة من جديد. فعاد إلى جنوة ولم يلاق درغوث في طريق العودة. فكلّف مساعده الشاب وقريبه جيانتينو دوريا (Gianettino Doria) بالبحث عن الغازي الذي اختفى بعد عملياته التخريبية في منطقة خليج جنوة. وأمره أن يستعين بأسطول صقلية الذي كان راسيا بميناء مسينا. وخرج دوريا الأصغر من جنوة بعشرة أغربة وذهب إلى مسينا حيث ضمّ إلى سفنه سفن أسطول صقلية وكان عددها أحد عشر غرابا فأصبح يقود واحدا وعشرين غرابا. فطاف الأسطول بجزيرة صقلية كلها فلم يعثر على أثر لدرغوث ولم يسمع عنه شيئا. فطاف بعد ذلك بجزيرة سردانيا باحثا، سائلا الناس دون جدوى. وفي طريق العودة إلى جنوة عثر دوريا الأصغر مصادفة على درغوث وقد التجأ إلى جون في جزيرة كرسيكا قريبا من مدينة باستيا للراحة وإصلاح مراكبه المعطوبة. وكان عدد تلك المراكب تسعة غرابين وسبع غلايط.

وخرج درغوث من الجون ولاقى أسطول جيانتينو بكل شجاعة رغم قلة عدد سفنه. ودارت معركة عنيفة أسر إثرها درغوث. وبقي درغوث أسيرا مدّة أربع سنوات (947هـ / 1540م - 950هـ / 1543م) وهو يجدف على السفن الحربية التي يقودها أندريا دوريا إلى أن فداه خير الدين باشا في السنة التي قدمت فيه العمارة العثمانية بقيادة خير الدين باشا إلى المياه الإيطالية والفرنسية بدعوة من ملك فرنسا فرنسوا الأول وقامت بعمليات حربية ضد ممتلكات الامبراطور شارل الخامس في إيطاليا وجنوب فرنسا، وقضت فصل شتاء سنة 1543 - 1544م في ميناء تولون (Toulon). وعندما أطلق درغوث من الأسر منحه خير الدين باشا خمسا وعشرين غليوطة وسلّم له عقدا رسميا يعيّنه فيه مشرفا باسمه على العمليات الحربية التي يقوم بها الغزاة في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.

ركّز درغوث جهوده بعد إطلاق سراحه على مقاومة "فرسان يوحنا المقدسي" الذين وهب لهم الامبراطور شارل الخامس جزيرتي مالطة وقزو (Malta et Gozzo)ومدينة طرابلس الغرب سنة 937هـ / 1530م، بعد طردهم من جزيرة رودس في سنة 929ه / 1523م من قبل الأسطول والجيش العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني نفسه حتى يكونوا مساعدين له لتحقيق مخططه الذي كان يهدف إلى الاستيلاء على جميع موانئ الساحل الشرقي للمغرب العربي. فما فتئ "فرسان يوحنا المقدسي" يطاردون المسلمين في البحر ويتعرضون لسفن المسلمين التجارية مثلما كانوا يصنعون عندما كانوا مقيمين بجزيرة رودس وشاركوا في جميع الحملات التي قام بها الأسطول الاسباني ضد موانئ المغرب العربي. ولذلك قرر درغوث إضعافهم وكسر شوكتهم. أبرز العمليات التي قام بها كانت تخريبه لجزيرة قزو التابعة لمالطة (953ه / 1546م). ونزوله بجزيرة مالطة نفسها وتدميره لثلاث من قراها (954هـ / 1547م) واستيلاؤه في عرض البحر في خليج نابلي على سفينة من سفن فرسان مالطة كانت تحمل عشرين ألف دينار ذهبا هي محصول جميع الأملاك الإيطالية التابعة للفرسان. وقد استهدفت تلك الغزوة مدينة كاستلاماري (Castellamare) التي نهبت وأسر عدد كبير من سكانها.

وفي سنة 956هـ / 1549م، ثار سكان المهدية في ظروف غامضة على القائد التركي حسن شلبي وأطردوه من المدينة. وانتخبوا خمسة من الأعيان لتسيير شؤون البلد، ولكن الغزاة العثمانيين كان لهم رغم ما حدث أنصار داخل المدينة. ولا يمكن لدرغوث أن يترك تلك المدينة المحصّنة المنيعة التي حاول الاسبان الاستيلاء عليها مرات دون جدوى معرضة لهجوم محتمل من فرسان مالطة أو من الأسطول الاسباني. ولذلك دخلها وجنده ليلا بمساعدة أشياعه في السنة نفسها وفي تاريخ غير محدد. وقد كان لاستيلاء درغوث على "حصن المهدية" كما كانت تسمى المدينة في وثائق ذلك العصر دوي تردد صداه في أوروبا لما كانت تمتاز به المهدية من سمعة بسبب موقعها الاستراتيجي الممتاز ومتانة أسوارها وقلاعها.

فقد أرسل نائب الملك بصقلية إثر فتح المهدية من قبل درغوث إلى الامبراطور مقارنا المهدية بمدينة الجزائر من ناحية أهميتها الاستراتيجية ومدّعيا تفوقها على الجزائر. وكتب الأمبراطور شارل الخامس إلى السلطان سليمان بتاريخ 12 أفريل 1550م رسالة يشتكي له فيها من استيلاء درغوث على المهدية ويعتبر ذلك خرقا للهدنة التي أبرمت بين إسبانيا وتركيا في سنة 1545م. وقدم أسطول يحمل أربعة آلاف مقاتل بقيادة نائب الملك بصقلية وحاصر المهدية ابتداء من يوم 22 جوان 1550م. وكان درغوث في ذلك الشهر يغزو على عادته في خليج جنوة. وقد ترك مكانه بالمدينة لابن أخيه حصار رايس. قاومت حامية المهدية من الأتراك وأهاليها المهاجمين ببسالة نادرة. ودام الحصار ثلاثة أشهر (22 جوان - 10 سبتمبر 1550م). والتحق درغوث بساحة العمليات. وحاول فكّ الحصار فلم يفلح ورميت المدينة وأسوارها بثلاثين ألف قذيفة من حديد. ولم يستسلم أهلها إلاّ بعد معركة حامية دارت في أزقة المدينة. عاش درغوث بعد سقوط المهدية بأيدي الاسبان فترة عسر وضيق التجأ فيها إلى وادي ڤابس لقضاء فصل شتاء سنتي 1550 - 1551م. وكانت معه ثلاثة أغربة وخمس عشرة غليوطة أكثرها معطوبة وكان يخشى مهاجمة الأسطول الاسباني. فبنى مترستين على ضفتي الوادي عند المصب في البحر، وجعل في كلّ مترسة مدفعا.

وفي ذلك الظرف بالذات أرسل السلطان سليمان القانوني لواء (سنجقا) مع تعيينه واليا على ليبانت وهي القاعدة البحرية العثمانية لأسطول البحر الأدرياتي الذي يعد خمسين غرابا تابعة للأسطول النظامي. وحاول درغوث الاستيلاء على مدينة ڤفصة مع ثلّة من جنوده انطلقوا صحبته من مصبّ وادي ڤابس فلم يفلح. وعاد مساعد درغوث حسن كرسو من جولة استطلاعية في مياه صقلية قام بها على مركب صغير بطلب من درغوث وقد علم أنّ أندريا دوريا متوجّه بأغربته لاحراق سفن درغوث في وادي ڤابس. فسيّر الأغربة والغلايط إلى جربة ولم ينتظر عودة درغوث. ولكنه أرسل سفنا من جربة لحمل درغوث وصحبه إلى جربة. والتحق درغوث بأسطوله الصغير في مكان قرب "القنطرة" من جزيرة جربة حيث يلتقي الوادي الكبير بوادي السوق القبلي وبجانب برج "القسطيل". ووصل أسطول دوريا إلى مياه جربة. وبقي شرقي الجزيرة في عرض البحر يترصّد خصومه وأخذ درغوث يبني مسندة إلى برج القسطيل ويضع فيها المدافع ليوهم دوريا بأنّه عازم على البقاء والدفاع عن نفسه. ولكنه كان في الوقت نفسه يراقب حفر ألفين من المتطوّعين من سكّان جربة مجرى في البحر القصير يتيح لأسطول درغوث اجتياز البحر العميق غربي الجزيرة دون أن يفطن به دوريا.

وحُفر المجرى بعد ثمانية أيام. وأفرغ درغوث السّفن من عتادها حتى تخفّ. وصنع من الصواري ومصطبات الخشب التي يجلس عليها الجدافون أطوافا لحمل المدافع. واجتازت المراكب والأطواف منطقة البحر القصير وعامت في الماء العميق في ناحية أجيم واستعادت عتادها ومدافعها وتوجّهت نحو بلاد اليونان قاصدة قاعدة تجمّع الأسطول العثماني، حيث سيتسلّم قيادته البحرية وقد أرسل إليه السلطان، كما قيل سابقا، تعيينه قائدا لأسطول الأدرياتي. وفي طريقه استولى قرب جزر قرقنة على سفينة قائد الأسطول الصقليّ وسفينة مصاحبة لها تحمل البشماط والبارود. وكانت السفينتان قاصدتين أندريا دوريا المرابط في مياه جربة. ثمّ عندما مرّ بجزيرة مالطة أنزل الجنود ودمّر بعض قراها.

شارك درغوث في السنة نفسها، 958هـ / 1551م، في حملة العمارة العثمانية على طرابلس الغرب التي كان يحتلّها فرسان مالطة. وكانت العمارة بقيادة يوسف سنان. وكان درغوث مساعدا له وقد أوكل إليه قيادة طليعة الأسطول وفي أثناء مسيرة العمارة وفي إطار عمليات الارهاب التي تقوم بها عادة طلائع الأسطول خرّب درغوث جزيرة قزو التابعة لمالطة وأسر جميع سكّانها وكان عددهم خمسة آلاف ساكن. ثمّ أحرق مدينة أوغستا (Augusta) بصقلية.

ووصلت العمارة العثمانية أمام ساحل طرابلس يوم 5 أوت 1551 ونزل الجيش بزوارة وتاجوراء ونصب المدافع وأخذ يحفر الخنادق ويتقدم بها نحو المدينة يشدد حصارها حتى استسلم فرسان مالطة بعد تسعة أيام من الحصار أي يوم 14 أوت 1551. وشفع سفير ملك فرنسا الذي كان متوجّها إلى إستانبول في الفرسان. فمنحهم القبودان باشا الأمان وأركبهم السفير الفرنسي دارامون (D'Aramon) سفنه وأوصلهم إلى مالطة. وعيّن مراد آغا باشا طرابلس. وقد كافح الفرسان طيلة سنوات انطلاقا من تاجوراء وكانت قاعدة لغزواته.

وتحوّل نشاط درغوث بعد فتح طرابلس إلى المياه الإيطالية والفرنسية في إطار تطبيق الحلف بين الخلافة العثمانية والمملكة الفرنسية مذكيا إيّاه بعد أن توقف العمل به في عهد الملك هانري الثاني ابن فرنسوا الأول. استهدفت العمارة العثمانية في سنة 959هـ / 1552م، بقيادة يوسف سنان المياه الإيطالية استجابة من السلطان لطلب ملك فرنسا الذي لم تكن له القوات البحرية الكافية ولا الكفايات العالية في فنون الحرب البحريّة حتى يستطيع وحده مواجهة الأسطول الاسباني الايطالي بقيادة أندريا دوريا.

وكان درغوث قائدا لطليعة العمارة والمساعد الأول للقبودان باشا. وقد كانت أهمّ نتائج هذه الحملة إحراق مدينة ريجيو (Reggio) بمقاطعة كالابريا الايطالية وتخريب ضواحي مسينا (Messina) وخصوصا انتصار العمارة العثمانية على أسطول أندريا دوريا في خليج مدينة نابلي بفضل تطبيق خطة نصح بها درغوث. وفي سنة 960هـ / 1553م، عيّن السلطان درغوث قبودان باشا. وأمره بالتعاون مع الأسطول الفرنسي ومساعدته على احتلال جزيرة كرسيكا التي كانت بأيدي الجنويين. احتلّ درغوث في إطار تلك الحملة جزيرة إلبا (Elba) التابعة لجنوة ودمّرها. واستولى الجيش العثماني في جزيرة كرسيكا على مدينتي أجاكسيو (Ajaccio) وبرتو فيكيو (Porto Vecchio) كما حاصر مدة شهر مدينة بونيفاسيو (Bonifacio) وقذفها بالمدافع من البر والبحر حتى أجبرها على الاستسلام. وفي السنة الموالية 961ه / 1554م، قاد درغوث العمارة العثمانية إلى نواحي نابلي وبقي يراوغ العدو دون القيام بعمل يذكر. وفي سنة 962هـ / 1555م، خلف بيالي باشا درغوث في قيادة الأسطول العثماني. وبقي درغوث مساعدا لخلفه. وتوجهت العمارة العثمانية إلى المياه الإيطالية ولم تقم بأعمال تلفت النظر لأنّ بيالي باشا كان حذرا مثل درغوث في السنة السابقة. وقد أصبح القائدان لا يؤمنان بجدّية الفرنسيين في تطبيق الحلف بين فرنسا والامبراطورية العثمانية. وقد كانت تلك السنة ذاتها 962هـ / 1555م مهمّة عند درغوث لأنّه استطاع أن يقنع السلطان بتعيينه باشا على طرابلس الغرب خلفا لمراد آغا الذي مات في تلك السنة. وهكذا غادر درغوث القيادة العامة للأسطول وابتعد عن جوّ البلاط وأوساط البحرية بإستانبول ليعود إلى منطقة المغرب العربي التي فيها شبّ وترعرع فأصبحت له موطنا.

وعندما استقرّ بطرابلس بذل أقصى جهده في توسيع منطقة النفوذ العثمانيّ فاحتلّ مدينة ڤفصة وبسط نفوذه على جزيرة جربة ومدينة صفاقس في سنة 963هـ / 1556م. واستولى على مدينة القيروان في سنة 964هـ / 1557م، وأجبر حاكمها محمد بن أبي الطيب الشابي على الفرار. وفي سنة 967هـ / 1560م، امتحن درغوث بمواجهة حملة إسبانية ذات طابع دولي مسيحيّ شبيهة في حجمها وجنسيات جنودها بحملتي الامبراطور شارل الخامس على حلق الوادي وتونس (942هـ / 1535م) وعلى مدينة الجزائر (948 هـ / 1541م) حيث كانت تلك الحملة التي وجهت إلى طرابلس الغرب ثم جربة تعتمد مائة سفينة بين أغربة وسفن حمل للجند والعتاد وثلاثين ألف مقاتل من إسبانيا ونابلي وصقلية وألمانيا ومالطة. نظّمت هذه الحملة البحرية إثر مساع حثيثة لدى ملك إسبانيا فيليب الثاني ابن الامبراطور شارل الخامس، وقام بها فرسان مالطة لاسترجاع مدينة طرابلس الغرب التي أطردوا منها منذ تسع سنوات. جُمع الأسطول الاسباني في مالطة نفسها وأسهم الفرسان في الحملة بخمسة أغربة وأربعمائة فارس وخمسمائة من المشاة الحاملين للبنادق وجميعهم من سكان الجزيرة. وأقلع الأسطول من مالطة في شهر فيفري من سنة 1560م في اتجاه مدينة طرابلس. وكان القصد مفاجأة درغوث شتاء. ونزل الجيش الاسباني بزوارة وشرع في حصار طرابلس. ونشبت المعارك تحت أسوار المدينة ودعم درغوث تحصيناته وأبدى المدافعون عن المدينة شجاعة نادرة جعلت الجيش الزاحف يوقن أنّ طرابلس يستحيل احتلالها عنوة. فقرر قائد الحملة وهو نائب الملك بصقلية الانسحاب. وحتى لا تنتهي الحملة بالخسران وحتى لا يحرم الجنود من الغنائم وجه قائد الحملة السفن إلى جزيرة جربة وأنزل بها الجيش. وحاول سكّان الجزيرة الدفاع عن أنفسهم وقاوموا الأعداء ولكن تفاوت القوى المتقابلة أرغمهم على الخضوع للاسبان. فأبرمت بين الإسبان وشيخ الجزيرة مسعود بن سمومن معاهدة تتضمن اعتراف سكان جربة بسيادة إسبانيا وقبول دفع الجزية لها. وسلّم شيخ الجزيرة للجيش الاسباني قلعة حومة السوق المسماة "البرج الكبير". وانتشر الجنود الإسبان والإيطاليون والألمان في الجزيرة ينهبون خيراتها من زيت وصوف وأنسجة مختلفة شحنوا بها السفن. وأركبوا حتى الحيوانات كالخيل والجمال. وكان العساكر والضباط يعتزمون بيع ما نهبوه عندما يعودون إلى صقلية والحصول على أرباح طائلة. وكان قادة الحملة ينوون مغادرة الجزيرة وترك حامية في البرج الكبير قبل قدوم العمارة العثمانية في وقتها المعتاد أي في بداية الصيف. ولكن العمارة العثمانية قدمت في الربيع في ليلة الحادي عشر من شهر ماي 1560م. كان الأسطول العثماني بقيادة بيالي باشا وقد جعل على طليعته علج علي الذي أرسله درغوث باشا إلى إستانبول لإعلام الباب العالي بفشل الزحف على طرابلس الغرب وباحتلال جزيرة جربة من الإسبان.

وعندما لاحت أشرعة سفن العمارة العثمانية في عرض البحر استولى الرعب على قلوب الملاحين والجنود الإسبان وعمّت الفوضى. ما كان يفكّر أحد في مواجهة الأسطول القادم بل كان جميعهم يفكّرون في الفرار. وحتى تخفّ السفن أفرغوها مما كان يثقلها مما نهبوه في الجزيرة من مؤن وخيل وإبل ورموها في البحر. وانقضّ الأسطول العثماني على سفن الأعداء وقد عمّت الفوضى بينهم فأغرق بعضها واستولى على بعضها الاخر والتحق بالسفن التي استطاعت أن تفرّ في عرض البحر أمام صفاقس. ودارت معركة انتهت بهزيمة نكراء ولم يلتحق بصقلية من ذلك الأسطول الاسباني الذي كان يعدّ قرابة مائة سفينة إلا ثلاث سفن. لقد استولى العثمانيون على ثمانية وعشرين غرابا وسبعة وعشرين سفينة شاحنة وأسروا خمسة آلاف منهم القائد الأعلى للحملة وقائد الأسطول. وغرق أو قتل ثمانية عشر ألفا من الجنود والملاّحين النصارى. وبقي "البرج الكبير" تقيم به حامية إسبانية تتألّف من ألفي مقاتل. فحاصره بيالي باشا بجند العمارة وملاحيها. ودعا درغوث، فأتاه مع ألفي مقاتل من طرابلس وعدد من المدافع ألحقت بالمدافع التي أنزلها الأسطول. وضُرب حصار على "البرج الكبير" وقد شارك فيه إضافة إلى جنود الأتراك ألف وخمسمائة فارس من جربة وعدد كثير من المتطوعين. دام الحصار شهرين ونصف شهر، من 11 ماي إلى 31 جويلية 1560م، وقتل جميع جنود الحامية الاسبانية. وبأمر من درغوث باشا بني هرم بجماجم القتلى الإسبان قريبا من البرج الكبير تخليدا لذلك الانتصار. وقد بقي الهرم قائما مدة ثلاثة قرون تقريبا إلى أن أزاله أحمد باي الأول سنة 1262هـ / 1846م.

واشتغل درغوث في أخريات حياته بالسهر على شؤون إيالة طرابلس وإعادة الاطمئنان إلى نفوس أهاليها دون إهمال الغزو في البحر. وأهمّ واقعة خاضها في تلك الفترة هي التي دمّر فيها كامل أسطول صقلية قرب جزر ليباري في سنة 968هـ / 1561م. وفي سنة 973هـ / 1565م، قرر السلطان سليمان القانوني تنظيم حملة بحرية وبرّية ضخمة للقضاء على "فرسان يوحنا المقدسي" بمالطة أولئك الرهبان الصليبييّن الذين طردهم من رودس في بداية عهده منذ أكثر من أربعين سنة. فاستقروا في جزيرة مالطة واتّخذوها قاعدة لمواصلة مكافحة المسلمين برّا وبحرا بحماسة صليبية لم تُفتر. قدمت العمارة العثمانية التي كانت تعد مائة وثمانين سفينة بقيادة بيالي باشا حاملة جيشا يتألّف من ثلاثين ألف جندي بقيادة مصطفى باشا. ونزل الجيش العثماني واحتلّ الجزيرة وحاصر قلاعها التي تحصن فيها فرسان مالطة. بدأ الحصار يوم 18 ماي وانتهى يوم 7 سبتمبر 1565م بانسحاب الجيش والأسطول العثمانيين دون أن يستطيعا اقتحام جميع الحصون التي تتركب منها القلعة. التحق درغوث باشا بالجيش العثماني المحاصر لمالطة في أوائل شهر جوان 1565م، قادما من طرابلس ومعه ثمانية وعشرون غرابا وثلاثة آلاف جندي. وعند وصوله لاحظ أنّ القائد الأعلى للجيش مصطفى باشا ارتكب هفوة كبيرة وهي عدم احتلاله للمرتفعات التي تحيط بالقلعة مع تركيز جهوده على أحد حصون القلعة وهو حصن سان إلمو ولم يكن في وسعه معالجة هفوة مصطفى باشا فتقدّم وأخذ على عاتقه تسيير حصار الحصن معتمدا، كعادته، اعتمادا كبيرا على المدفعية والجنود المتخصّصين في وضع الألغام. وشدّد محاصرة الحصن، وهيأ جنوده لاقتحامه وكان دائما في مقدمتهم، فأصابته شظية في رأسه. وحمل جثمانه إلى طرابلس حيث دفن.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • De la Primaudaie,«Documents Inédits sur l’histoire de l’occupation Espagnole en Afrique »,Revue Africaine,1875-1879
  • De Mondoza,« Documents Inédits sur l’histoire de l’occupation Espagnole en Afrique »,Revue Africaine,1877,pp219 et suivantes.