المتحف الوطني بقرطاج

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المتحف الوطني بقرطاج

يقع المتحف الأثري بضاحية قرطاج شمال مدينة تونس على هضبة بيرصا. وهو يعدّ من صنف المتاحف الوطنية ويأتي من حيث الحجم في المرتبة الثانية بعد متحف باردو. ويعتبر أقدم المتاحف في البلاد التونسية بما أن نواته الأولى تعود إلى فترة ما قبل "الحماية". إن تاريخ المتاحف جزء لايتجزأ من تاريخ البحث الأثري والمحافظة على التراث، شأن هذا المتحف الذي تأسس استجابة للظروف التي أحاطت ببداية البحث الأثري في موقع قرطاج. لم تكن البناية التي تأويه اليوم موظفة في البداية لهذا الغرض وإنما كانت في الأصل تابعة لمحلاّت الآباء البيض الساهرين على شؤون الكنيسة. وتعود علاقة هؤلاء بهذا المكان إلى سنة 1830 عندما عبّرت فرنسا رسميا للباي عن رغبتها في تخليد ذكرى وفاة ملكها لويس التاسع سنة 1270 على أرض تونس. اتفق لهذا الغرض على أن تكون هضبة بيرصا رمزا لهذه الذكرى حيث يشيّد فيها معلم يجسّد هذا التخليد.

ونعلم أن هضبة بيرصا كانت موضوع استقرار بشريّ منذ عهد الفينيقين. لذلك بدأ التهافت على البحث في هذا الاستقرار مبكرا. وأول شخصية يشهد لها بهذا البحث المؤرّخ شارل ارنست بوليه (Ch.E.Beulé) وهو من قدماء المدرسة الفرنسية بأثينا. وكان ذلك سنة 1859. في الأثناء لم يبق معلم لويس التاسع معزولا ل أضيفت إليه مبان أخرى أهمها كنيسة وفضاء لاستقبال الزائرين. وقد جاء على لسان بولي (إنه من الضروري تخصيص جناح من هذا المركّب للحفاظ على ما عثر عليه أثناء الحفريات). وإثر هذا الاسهام أخذ الآباء البيض الموجودون آنذاك على عين المكان - وعلى رأسهم الأب ديلاتر (Delattre) على عاتقهم مسؤولية التدخل الميداني وشمل نشاطهم كامل موقع قرطاج. وبمناسبة اتساع حقل البحث عملوا على تأسيس أوّل متحف سنة 1875. وأطلقوا عليه في البداية اسم متحف لويس التاسع.

وفي فترة لاحقة دخلت شخصية ثانية تاريخ الكنيسة في قرطاج بعدما شغلت مهمة أكبر أساقفة عاصمة الجزائر وهي الكردينال لافيجري (Lavigerie) وقد شدّ انتباهه نسق التنقيب الأثري في قرطاج وغزارة الاكتشافات التي تحقّقت بفضل تفاني الأب ديلاتر، فحرص على توفير إطار قانوني وبنى تحتية تؤسس لتقاليد في الحفريات والمحافظة والدرس. وقد خاطب في هذا الشأن أكاديمية النقائش بباريس بتاريخ 15 / 2/1881 قائلا (من السهل والمفيد أن يكون لفرنسا في قرطاج مركز دائم للبحوث بما أنّه قائم منذ سنة 1830). وحتى يخلّد اسم لافيجري لدى الساهرين على الآثار آنذاك حمل المتحف اسمه في فترة ثانية. وذلك من سنة 1899 إلى سنة 1956.

وإضافة إلى عملية المحافظة على القطع وعرض ما يمكن عرضه منها للزائرين، عمل مؤسسو المتحف على توثيق نخبة من هذه الاكتشافات والتعريف بها في خمسة فهارس نشرت بين سنتي 1899 و1915، أمضاها إلى جانب الأب ديلاتر كل من: كانيا (R.Cagnat) وبابلون (E.Babelon) وصلاح الدين بيرجي (S.Berger). في سنة 1957 أصبحت كلّ المواقع والمعالم التاريخية والأثرية والمتاحف راجعة بالنظر إلى المعهد الوطني للفنون والاثار بإشراف وزارة الشؤون الثقافية آنذاك بين 1957 و1963 وعرف المتحف مرحلة انتقالية إذ ذاك أعيدت فيها هيكلته وتنظيمه وأخرج في ثوب جديد. وفي سنة 1963 أطلق عليه الاسم الذي يحمله اليوم : المتحف الوطني بقرطاج.

وإثر انسحاب الكنيسة رسميا من هضبة بيرصا، سنة 1964 بعد اتفاق مع دولة الفاتيكان; وظّف المتحف كل المباني التي تحيط به لصالحه وصالح البحث. من ذلك أنّ رصيد الكتب التي تركها الأباء البيض أصبح مكتبة يقصدها الباحثون. وقد أضاف إسهام اليونسكو في حملة الانقاذ لموقع قرطاج في بداية السبعينات مكاسب جديدة للمتحف جعلته ذا إشعاع عالمي . وأحدث مركز للتوثيق والدرس هو المعروف ب السيداكص، يوثق مستجدات هذه الحملة وينشر نتائجها في دورية خاصة بإشراف الأستاذ عبد المجيد النابلي محافظ المتحف والموقع بين 1970 و2000. ومن ناحية أخرى أسهمت في الحملة كندا بتأسيس مخبر لمعالجة القطع الأثرية وصيانتها، كما دأب المتحف على تنظيم محاضرات ومعارض يسهم فيها أساتذة من كلّ أنحاء العالم.