القصور بالجنوب الشرقي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
القصور الصحراوية

يتكون الجنوب الشرقي للبلاد التونسية، من سلسلة جبال مطماطة والصحراء غربا، وسهول الجفارة شرقا، ومساحته 561 55 كلم2 أي حوالي 35% من المساحة الجملية للبلاد. وعلى مقربة من سهول الجفارة تمتدّ على سواحل المتوسّط جربة التي تمسح حوالي 624 كلم2. وتحتلّ هذه المتكوّنات الطبيعية المختلفة في الشكل والمتعادلة في المناخ (الوسط القاحل) أكبر جزء معمور من المناطق القاحلة للبلاد التونسية. وتعرف هذه المناطق الجافة بقلّة الامطار التي تتراوح كمّياتها بين 100 و200مم سنويا وبارتفاع الحرارة في أغلب شهور السنة حيث لا يقلّ المعدل السّنوي عن العشرين درجة مائوية.

يقطن هذه المناطق سكان كانت من أهمّ تقاليدهم حياة البداوة، أي التنقّل والترحال وعدم الاستقرار، عرفوا في القرون الأخيرة بأسماء رؤوس قبائلهم الأعراض وورغمة. كان هؤلاء السكان، حتى مطلع هذا القرن، يعيشون في شكل قبائل وعشائر متداخلة ومتماسكة منها من يسكن الواحات ومنها من يقطن القرى الجبلية، وأغلبها تلائم عاداتها وتستجيب لحاجاتها وتوفّر المرعى لمواشيها وأغنامها التي هي بمثابة العمود الفقري لنمط حياتها. قدّر عدد سكّان الناحية الجنوبية من الجنوب الشرقي، التي عرفت قديما ببرّ ورغمة (حيث شُيّدت أهم القصور) في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي بحوالي 71.000 نسمة. ظهرت، بجهة ورغمة بالجنوب الشرقي، بعض مظاهر العمران. وتمثّلت هذه الظاهرة في إرساء موقع يحصّن الأرزاق، ويصون علاقات أفراد القبيلة والعشيرة، ويلائم عادات حركيتهم وضرورة وجود نقاط ارتكاز واستقرار، هكذا أحدث القصر (ج. قصور) بهذه الربوع دون الاستغناء عن المنازل والخيمة و"الخُصّ" وغيرها من وسائل الملجإ المنقول.

القصر[عدّل]

من الصعب التعرف إلى تاريخ هذا النوع من المباني غير أنّ هيكله وقدم مواد بنائه يدلان على امتداد جذوره إلى زمن بعيد حسب نقش يؤرخ لأحد القصور بالمزطورية بتطاوين الجنوبية هو قصر الزّناتة.القصر مبنى يحتوي على كثير من الغرف المتماسكة الواحدة بجانب الأخرى. تبنى هذه الغرف في بادئ الأمر تحتيّة ثمّ ترفع أخرى، حسب الحاجة، فوقها لتشكّل طوابق القصر التي يمكن أنّ تصل إلى خمسة. تفتح الغرف على ساحة القصر التي يكون لها، عادة، شكل دائري، مستطيل أو مربّع حسب موقع المبنى وارتفاعه. يصل ضلع المربع إلى مائة متر أو أكثر. تبنى هذه المجموعة من الغرف المكوّنة للقصر في شكل مستطيل من الجبس المحروق والحجر الصغير الحجم المعروف باسم "كماري"، "ورقة"، "صمّ". يتوفّر هذا النوع من الحجر بكميّات كبيرة بالمناطق القاحلة ويكاد يكون من أهمّ خاصياتها نظرا إلى جفاف أرضها وسهولة انجرادها وانجراف تربتها. تسقف هذه الغرف "بالكمر" (سقف في شكل نصف إسطواني) وتمسح كلّ واحدة منها حوالي 20م². تصنع أبوابها من خشب النخيل "الصنّور" وأقفالها ومفاتيحها من خشب الزيتون.

يشيّد القصر أصحابه، فوق قطعة أرض تسند غالبا صدقة إلى المجموعة، فيشرع في بناء الغرف الواحدة تلو الأخرى. ويبقى هواء الغرف على ذمة كلّ راغب في البناء حتى يتمّ تشييد القصر بكامله. يتزايد ويتعدّد بناء الغرف حسب عدد أفراد العشيرة أو القبيلة من عائلات مرتبطة بنسب أو حسب أو يجمعهم الترابط بالتحالف والتصاحب والتضامن ويطلق عليه القصر الخاص. وقد ينشأ القصر أيضا من أكثر من قبيلة أو عشيرة ويسمى القصر العام. فالقصر هو مبنى جماعي تشترك في إنجازه، على مدى السنين، أجيال قبيلة أو عشيرة أو أكثر، فهو لذلك صرح مشترك شُيّد منفردا في بقاع وأماكن تكاد تكون مهجورة وخالية بحكم التنقّل المستمرّ لسكانها. يظهر القصر بهذه الصورة وفي كافّة الأحوال والأزمان كنصب هجره أهله دون الابتعاد عنه أيّا كانت شدّة الظروف أو رخاؤها، "تأتيه الخيرات وتفرّق منه" (محمد البشير المدني، 1979).

أمّا وظائف القصر فمتعددة ومتنوّعة. بُني ليكون قبل كلّ شيء موقعا قارّا لمجموعة ما من المجموعات المتنقّلة من سكّان المناطق القاحلة. تستعمل هذه المجموعات القصر لتخزين الحبوب والمحاصيل الزراعية الأخرى من زيت زيتون وتين وغيرها كالأعلاف من تبن ونوى، كما تخزن في القصر معدّات العمل، ولوازم منزلية، يكون عددها ضئيلا، كما يمكن أن تترك فيه حاجات أخرى (أثاث) يفضّل أهلها إبقاءها عند متابعة تنقّلهم الشاقّ أحيانا ومواصلة ترحالهم العادي.

يستقرّ بالقصر، على مدار السنين، أصحاب المهن ممارسة مناشطهم كصنع المعدات الزراعية البسيطة وصيانتها. (محراث، جاروشة، فركة...) وكالحياكة. ويقوم بهذه الأعمال ويتوارثها في غالب الأحيان أفراد عائلة تتقن نجارة الخشب والحدادة ونعل الخيل وحياكة الأغطية والملابس الصوفية. يشارك هؤلاء الحرفيين في استقرارهم بالقصر ولمدّة قصيرة بعض المتخصّصين في تحويل المنتجات الزراعية، كأّصحاب معاصر الزيت الذين يبنون معاصرهم بالقصر أو خارجه. ويعتبر هذا النشاط أحد ركائز القصر من حيث الخدمات وأكثر دافع تردّد عليه (خاصة عند تعددها به) وذلك لما تجده شجرة الزيتون من عناية واهتمام خاص بزراعتها في المناطق شبه القاحلة.

وبمرور الزمن، ونظرًا إلى ما يسديه القصر من خدمات، يصبح موقعا يرتاده أصحابه وغيرهم من أفراد الجماعات الأخرى، كما يقصده العابرون والمسافرون من أصحاب القوافل الصحرواية التي شاركت في إرساء القصر وذيوع صيته، عبر الزمن، بتبادل البضائع وتكامل الخدمات في فضائه، وتناقل المعرفة والأخبار بين أصحابه ومستعمليه. وعلى هذا المنوال من تردّد قوافل التجار يقدم إلى القصر أصحاب الحرف المتجوّلون، ويقصده أهل الفقه والعلم والدراية لملاقاة مريديهم، فتبنى في بعض الأحيان الزوايا، وترفع المساجد ليستقرّ بها المؤدّبون. وبحرس القصر، على مدى السنة، أحد أفراد المجموعة يمنح سنويا مقابل هذه الوظيفة نصيبا من الحبوب أو من زيت الزيتون يقدّمه إليه كلّ صاحب غرفة. هكذا بات القصر بمرور الزمن مأوى يلتقي فيه أصحابه لا لتخزين مواردهم وأرزاقهم وتبادل المنتجات والسلع فحسب، ولكن لتداول شؤونهم الحياتية والاجتماعية والثقافية أيضا. لهذا يبدو القصر في هذه الحياة البدوية نقطة ترابط وتواصل بين أطراف متفرّقة شبه مستقرة. هذه المهمّة جعلته يجسّد روابط لهذه المجموعات السكانية ليس على طول الزمن فحسب، بل على امتداد ربوع هذه المناطق القاحلة من الجنوب الشرقي التونسي، وفي سلوك حياة أهله. إذن برزت هذه الخاصية عبر التطوّر التاريخي لهذه المجموعات التي تستمدّ من ديمومة التنقل حياتها، ومن تربية الأغنام والابل مصدر عيشها.

تتنوّع القصور وتتوزّع بالجنوب الشرقي من ناحية حسب انتشار أصحابها من قبائل وعشائر على أرض ربوعه، ومن ناحية أخرى حسب تضاريس هذه المناطق الجافّة. فقد شيدت على قمم الجبال في عصر الإسلام الكلاسيكي وعلى سطح المنبسطات في الحقبة الحديثة. وتتشكّل هذه القلاع فوق قمم الجبال لتكون بمنزلة حصون صغيرة تحفر تحتها، وتبنى الغرف الجبلية التي تشكّل في بعض الحالات قرى جبلية يصعب الوصول إليها، يلجأ إليها أصحابها بأرزاقهم من مواشٍ ودوابّ وغيرها لاتّقاء شرّ الهجمات التي يشنّها بعض العابرين أو الأجوار.

يُعتبر جبل دمّر من أكثر مناطق الجنوب الشرقي التي بنيت فيها القصور إذ يوجد بها نحو مائة قصر وقد بنيت هذه القصور على قمم الجبال والهضاب أو بالسهول. فمن القصور التي بنيت على قمم الجبال قصور ذهيبة، وفي منطقة ذهيبة، تفرنت، ماطوس، البريقي الكبيرة والبريقي الصغيرة، البريقي غافس، وسقدل بمنطقة رمادة. أمّا في غمراسن فيوجد قصر الحدادة الذي يستغلّ حاليا للسياحة وقصور أخرى صغيرة. وبتطاوين وما جاورها توجد على قمم الجبال القصور التالية: قصر سدرة، تنكت، بني يخزر معاند، قطوفة وبني بركة. شيّدت القصور على الهضاب، أو الربى، أو بسفوح الجبال بعدّة مناطق، مثل قصر الفرش بغمراسن الذي يحتوي على حوالي 300 غرفة وقصر تنكت القديمة شرقي تطاوين وهو الذي عرف بقصر الضلع الواحد وتفتح غرفه نحو الجنوب، وعلى مقربة منه بني بالمزطورية قصر الزناتة. وقد بناه إلياس الوسّيني من قبيلة بني وسّين البربرية المقيمة قرب قصر أولاد سلطان.

ولقد تكاثرت قصور الهضاب والسهول في أوائل القرن العشرين بعد أن رغب السكان في الاستقرار لتثبيت ملكية أراضيهم التي كانوا يشتركون فيها دون تحديد مواقعها وتوضيح حدودها. نذكر من هذه القصور قصور الخربة، الزهرة، الجليدات، العجاج، بني مهيرة، عون، المرّة، قطوفة، السمار، أولاد الحاج، أولاد دبّاب، أولاد سلطان، أولاد بوبكر، الرّهاش، الشقايق، كرشاو.أمّا بمدنين فقد شيّد قصر أمّ التمر على ربوة ليتوسّط واحة صغيرة اشتهرت بتعدّد بساتينها.

أمّا القصور الجبلية بمدنين فجلّها يوجد بمنطقة بني خداش ومن أهمها: زمّور، الجوامع، الخيّر، بني خداش، الجراء، أولاد بوعبيد، الخراشفة، الكريكرية، الحلوف. ويطلّ هذا الأخير على واحة جبليّة صغيرة ذات مناظر طبيعية خلاّبة.بعد تمدّن سكان هذه المناطق وارتقاء العمران الذي زحف حاليا على قرى الجنوب الشرقي ومدنه، كان التخلّي تدريجيا عن هذه القصور، إلاّ أنّ أصحابها ظلّوا يتقاسمون غرفها كما جرت العادة بين أفراد العشيرة والقبيلة. ولقد غدت لهذه الأجيال إرثا يتقاسمونه، وموروثا جماعيا وثقافيا يشتركون فيه ويلتفّون حوله، من أهمّ هذه القصور قصر الجليدات، قصر أولاد دباب، قصر الجوامع، قصر مدنين...

تبقى القصور بالجنوب الشرقي التونسي في هذا العصر، عصر الرأسمالية والتمدن السريع والعمران، بمنزلة موروث جماعي وثقافي يشدّ الذاكرة الجماعية في جميع أبعادها قبل أن يصبح من أهمّ المعالم التاريخية والتراثية. وفي هذا الاطار بعث منذ مارس 1979 مهرجان القصور بتطاوين ليجسّد سنويا جانبا من هذا الموروث ولاحياء تقاليد الأجداد في ذاكرة الأجيال، وإعادة الاعتبار لأكثر من جانب من جوانب الحياة القديمة لسكان ربوع القصر من اقتصادية واجتماعية وثقافية. ويبقى الجنوب الشرقي للبلاد التونسية من أهمّ المواقع السياحية في العالم لاحتوائه على ثلاثة عناصر جُزرية أساسية تربط، على نحو طبيعيّ، بين موارد السياحة الاستحمامية والجبلية والصحرواية، فهو يضمّ من الجانب الساحلي جزيرة جربة المتوسطية، ومن الجانب الداخلي "جزيرة القصور" الجبلية وشبه الصحراوية، ومن الناحية الشمالية تمتدّ "جزيرة الواحات". وما كانت لهذه المفارقات الطبيعية (حرارة الشمس وجفاف الصحراء وعزلة الجبال) أن تترابط لو لم يكن الانسان في قلب محورها يجلب المياه ويهيّئ الشواطئ، ويغرس الواحات ويعمّر الجبال ويشيّد القصور...

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Louis A,La Tunisie du Sud:Ksars et villages de crêtes,Paris,1975