الحركة التبشيرية في تونس في القرن التاسع عشر : بورغاد (Bourgade) ولافيجيري (Lavigerie)

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

بين المسلمين والمسيحيين ماض أليم من التصادم والنزاع دام قرونا وأدّى إلى طبع النفوس من كلا الجانبين بطابع الفجوة بل العداء المكشوف حينا والمتستر أحيانا. إلا أن هناك نزعة واضحة منذ سنوات إلى التقارب والحوار ساهم فيها من الجانب الإسلامي العلماء والمسؤولون السياسيون وجسّمها من جانب الكنيسة الكاتوليكية التصريح الخاص بالديانات غير المسيحية الصادر عن مجمع الفاتيكان II سنة 1965 بعد نقاش طويل في الموضوع. وتوالت الكتب والمقالات (1) منذ ذلك التاريخ في الدعوة إلى طيّ صفحة الماضي والعمل على تجاوزه، كما حاول الدارسون العثور على رواد لهذا الحوار المنشود.

كنيسة سان لويس قرطاج

ولئن كان من الطبيعي أن تشغل هذه المسألة بال العرب في الشرق في الدرجة الأولى بحكم وجود نسبة هامة من المسيحيين أصيلي تلك البلاد فإن تونس- والمغرب العربي عامة-، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من البلاد المسيحية وتفتّحها عليها من ناحية، وبحكم تاريخها البعيد أو الحديث من ناحية ثانية، معنية اليوم بهذا التقارب أيضا كما كانت بالأمس مسرحا للنزاعات الدينية ولحركة تبشيرية واسعة النطاق سنحاول في هذا البحث بيان ملامحها والطرق التي توختها والأهداف التي ترمي إليها من خلال آثار رجلين من دعاتها في القرن التاسع عشر وهما الكاهن بورغاد والكردينال لافيجيري.

ويرجع الحضور المسيحي الكاتوليكي بتونس إلى القرن السابع عشر حين استقر بالعاصمة ثم ببعض مدن الداخل جماعة "إخوان المذهب المسيحي" ( Frère de la Doctrine Chrétienne) من الطليان، المعروفين بـ"الإخوان الكبوشي" . (Frères Capucins) (2) ويبدو أن نشاطهم كاد يكون مقصورا على القيام بالشؤون الدينية للجالية المسيحية المستقرة في تونس لأغراض تجارية أو هروبا من القوانين الأوروبية بالنسبة إلى مرتكبي الجرائم في بلدانهم الأصلية. وكانوا كذلك يهتمون بضحايا القرصنة إذا كانوا من المسيحيين الواقعين في قبضة المسلمين.

كان هذا الحضور إذن محدودا وظل كذلك إلى سنة 1830. وفعلا فقد كان احتلال الجزائر منعرجا حاسما في تاريخ شمال إفريقيا بصفة عامة، لا من الناحية السياسية والاقتصادية فحسب بل ومن الناحية الدينية أيضا. يقول أحد مثلا أعضاء بعثة فرنسية جاءت تطلع عن كثب على أحوال البلاد التونسية قبل انتصاب الحماية:" يعيش المسيحيون في تونس العاصمة كما في بقية البلاد في ظل الأمن الشامل وهم محترمون غاية الاحترام. ولكن وضعيتهم قبل احتلال الجزائر لم تكن على هذا النحو مطلقا فقد كان وجودهم في الإيالة التونسية خاضعا لشروط عسيرة ومذلة كما هو الشأن في غيرها من البلاد "البربرية"...إلا أن فرنسا قد غسلت أخيرا أوروبا من هذا العار ومنذ ذلك العهد فقد اختلفت الأدوار أشد الاختلاف في تونس وكأن المسيحيين الآن هم الأسياد فيها."(3).


وأول ما سعى إليه قنصل فرنسا(4) مستغلا شعور الفزع الذي استولى على الباي حسين وحاشيته حين بلغ تونس خبر سقوط الجزائر أن فرض عليه في 17 صفر1246/ 8 أوت 1830 معاهدة ينص فصل سرّي منها على التنازل الأبدي لفائدة فرنسا عن ربوة بيرصا قصد إنشاء معبد تخليدا لذكرى ملك فرنسا لويس التاسع Saint-Louis) ) المتوفى في ذلك الموضع سنة 1270 م (5) . وسيكون لهذا التنازل أثر بعيد لأنه قد فتح الباب في وجه حضور مسيحي على نطاق واسع وسيعتبر بعد ذلك رمزا موحيا بعديد الذكريات . وفيما عدا هذا الحدث فإننا لا نسجل في العقد الرابع من من القرن التاسع عشر أي ظاهرة جديدة في العلاقات المسيحية في تونس. ويعلّل الكاهن بورغاد ذلك بقوله:" لقد حالت عدة أسباب دون الإستفادة من هذا التنازل عن ربوة بيرصا حتى تُنوسي ومن بينها الجهاد الذي نظمه العرب ضدنا (كذا يعبر عن مقاومة الأمير عبد القادر) واتيلاء الأتراك على طرابلس واعتلاء باي جديد عرش تونس وبعض الأحلاف المناهضة لمصالحنا الإفريقية."(6)

هذا تعليل أول كاهن اقام القداس بمعبد سان لويس منذ تأسيسه سنة 1840 وهو في نفس الوقت من رواد المبشرين للديانة المسيحية في الأوساط الإسلامية الجزائرية أولا ثم التونسية. ولئن كان نشاط الكاهن فرنسوا بورغاد(1806-1866)، منذ حلوله بتونس سنة1840 مصاحبا "لأخوات الصفاء الساعيات في مصالح الفقراء والمرضى ابتغاء مرضاة الله"(7) إثر خلافهن مع أسقف الجزائر (7 مكرر)، متعددا، إذ هو مؤسس معهد سان لويس ومستشفى ومطبعة حجرية ومؤلف كتاب في اللغة الفينيقية (8) وآخر في الرد على رينان Renan) ) في كتاب "حياة عيسى"(9) ومنشئ جريدة البرجس (Le Birgys) بباريس، فإننا لن نهتمّ في هذا الفصل إلا بنشاطه التبشيري ، ذلك أنه كان يوليه المقام الأول ومن أجله أسس سنة 1847م "جمعية سان لويس أو حملة صليبية سلمية هدفها نشر الحضارة المسيحية بين المسلمين بواسطة مؤلفات مكتوبة في لغتهم أو مترجمة إليها". وقد وضّح أسباب تأسيس هذه الجمعية في النشرية التي تحمل عنوانها ويقول فيها بالخصوص (10):"إن المسلمين يقدّرون مثل المسيحيين وربما أكثر من المسيحيين، تفاني أخوات الإحسان وحب القريب في الله ولكن الاخوات لن يتوصلن أبدا ، بكل إخلاصهن وتفانيهن إلى أن يفعلن بين الأهالي أحسن مما فعله المسيح بمعجزاته وأنواع الإحسان الأخرى التي صاحبت خطاه. على أن المسيح لم يكن يكتفي بكسب القلوب بل كان يستفيد من الاستعداد الأدبي الذي يحدثه في الذين يرد إليهم العافية أو الحياة فيحدثهم عن صحة الروح ويتركهم مؤمنين أو على طريق الحق".

كان إذن يريد أن يتم العمل الذي تقوم به الأخوات ورأى أن أفضل طريقة لإقناع المسلمين بخطئهم في اتباع دين محمد وبوجوب اعتناق المسيحية تتمثل في نشر كتب التبشير بينهم في لغتهم إلا أن "مهاجمة دين المسلمين من الأمام والعمل على الرد عليه قد يكونان سلوكا أخرق من شأنه إبعاد الذين يراد إقناعهم إلى الأبد. وقد كان الكاهن بورغارد يعرف ذلك ولذا تجنب الصعوبة بإقحام أتباع محمد في ميدان محاورة بسيطة ذكية في جو من العشرة الطيبة وكأنه لا يرغب فيها كما يبدو بعيدا عن كل تفكير في الدعوة إلى دينه."(11) وهكذا أدى به الأمر إلى تأليف ثالوثه الشهير:

1) "مسامرة (كذا!) قرطاجنة" soirées de Carthage) ) وقد طبع الأول مرة بالفرنسية في باريس سنة 1847م وأعيد طبعه سنة 1852م. وترجمه إلى العربية بمعية سليمان الحرايري (1824-1877) أحد خريجي معهد سان لويس وطبع حجريا بتونس في جزئين يحتوي الأول على 119 ص والثاني على 127 ص سنة 1266/1850 بعنوان "مسامرة قرطاجنة:محادثات بين مفت وقاض وراهب نصراني" ثم أعيد طبع الترجمة العربية في جزء واحد يحتوي على 173 ص بباريس سنة 1276/1850 بعنوان :"مسامرة قرطاجنة وهي مناظرة في القرآن والإنجيل بين قاض ومفت وراهب". وقد اشتمل هذا الكتاب على 15 محاورة وكانت لغة الترجمة مبسطة وشديدة القرب من العامية.

2) أما الكتاب الثاني فهو "مفتاح القرآن"La Clef du Coran) ) طبع بالفرنسية فقط بباريس سنة 1852 م وهو يحتوي على 17 محاورة في 184ص.

3) وثالث الكتب : "المرور من القرآن إلى الإنجيل" Passage du Coran à l'Evangile) ) قد طبع بالفرنسية أيضا بباريس سنة 1855 في 235 ص واحتوى على 18 محاورة.

وكان بورغاد ينوي تسمية كتابه الثالث "قبة القرآن " Dôme du Coran) )كما أعلن عن ذلك في "مفتاح القرآن" حين قال:" سيكون الغرض من المجلد الثالث صهر بعض الآيات القرآنية التي فيها فكرة الكثير من عقائدنا وحتى من أسرارنا المقدسة مع الإنجيل. فلن يكون تخلصا من القرآن إلى الإنجيل بقدر ما يكون اندماجا لأحدهما في الآخر."(12) ولكنه اتصل من أسقف الجزائر "بافي" Mgr.Pavy)) برسالة طويلة مؤرخة في 25 جويلية 1852 إثر صدور كتابه الثاني، يقول في آخرها "... على أنني قد أودّ أن تعيد في كتابك القادم إلى الإنجيل بكل وضوح كل ما أخذه منه القرآن وأن تنبّه إلى التحريفات التي توجد فيه من الإنجيل ومن كتبنا المقدسة الأخرى عوض أن تقدّم مات سميته بإدماج الإنجيل والقرآن."(13). ويعقب مترجم بوغارد على هذه الرسالة بقوله: " سنة 1855 الكتاب الثالث الذي أعلن فيه الكاهن بوغارد بعنوان" المرور من القرآن إلى الإنجيل"فلما ظهر بباريس لوحظ أن المؤلف قد أخذ بعين الاعتبار نصائح أسقف الجزائر العالم ونقده الحصيف فلم يعد الشأن متعلقا بإدماج القرآن والإنجيل معالا وإنما أصبح يدعو إلى أعطاء كل حقه مع الحفاظ على مراعاة الأشخاص بقدر الإمكان . فمهما كانت الرغبة ملحة في عدم مصادمة آراء الخصم المسبقة حتى نؤديه بكل وثوق إلى معرفة الحقيقة فإنه لا يجوز بسبب ذلك لكاتوليكي أن يجعل البتة على قدم المساواة الصواب والخطا..."(14)

تلك إذن هي النتيجة التي وصل إليها الكاهن بورغاد ولكن ما هي الطريقة التي توخاها في محاوراته الوهمية؟ كانت نقطة الانطلاق محاورة بين إحدى" أخوات الصفاء" (15) وبين مفت إثر معالجتها لزوجته إذ أراد مكافأتها بتوفير "الصداق " لزوجها إن كانت راغبة في الزواج فإذا بها تفسر له إنقطاعها للعبادة وفعل الخير وتؤديه إلى لمس الفرق بين المرأة النصرانية والمرأة المسلمة وتخوض معه في مسألة الطلاق وموقف الإنجيل منها ولكنها ترفض مناظرته في شأن تحريف الأنجيل وتدله على الراهب. وبذلك ينتهي دور" الأخت" في هذه المحاورات ويبرز مكانها القاضي فيدور الحديث بينه وبين المفتي حول ما أثارته "الطيبة الآتية من فرنسا لفعل الخير في هذه البلاد."

ما هو موقف الرجلين من كلام الراهبة وقد أرادهما الكاهن من علماء الدين الإسلامي؟ يمكن لنا أن نستشف حقيقتهما من بعض ما ورد في المحاورة الثانية قبل التقائهما بالكاهن: يقول المفتي في المقارنة بين نساء النصارى ونساء المسلمين "" تفكرت في هذا كثيرا فوجدت منشأ اختلاف التأديب والتربية في اختلاف القرآن والانجيل في حقوق النساء."(16). وهذه عينة أخرى من الحوار الدائر بين القاضي والمفتي: يقول القاضي:" حقا إن النصارى فاقونا في كل شيء إلا شيئا واحدا وهو أنهم أقوى منا ويفهمون الأمور أحسن منا ولهم براعة في العلوم أكثر منا ويحكمون بالعدل أحسن منا ولا يظلمون الأمم الأخرى في أمورهم ولا يتركون الأمم يظلمونهم ولكن ليتهم يتقون الله."(17) فيجيب المفتي:" القرآن أخبرنا بأن الله لا ينصر القوم الكافرين فما بال النصارى مرتفعون على سائر الأمم كارتفاع الجبل على السهل؟ فالذي لا يتقي الله يرتكب الظلم والنصارى منصفون وإذا فتحوا بلدا فذلك بقضاء الله وهم لا يظلمون من تغلبوا عليه ويخافون الله خلاف ما نعتفده فيهم..."(18).

فقد وضح بورغاد إذن منذ البداية هدفين أساسيين كان يرمي إلى تحقيقهما من كتبه ولم يلك كلماته في التعبير عنهما. أولهما بيان فضل الإنجيل على القرآن وثانيهما خدمة الاستعمار الغربي بتبييض جبينه وترغيب المسلمين فيه ودفع ما ينسب إليه من ظلم، وهو في ذلك لا يتردد في نشر مركبات النقص بين مخاطبيه . فلا عجب أن يكون المفتي الذي نصبه لمحاورته أداة طيعة بل مفضوحة الطواعية لخدمة أغراضه منذ اجتماعهما الأول في المحاورة الثالثة من مسامرة قرطاجنة، وهو لا يكتفي بإقناع المفتي في يسر بكل آرائه حول جميع المسائل التي تثار ومهما كانت أهميتها، من الرهبانية والزواج وتعدد النساء وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير إلى الجنة والتثليث وكلمة الله ورسالة محمد، وإنما يجعل منه شخصا متحمسا لآرائه ويقنع بها صاحبه القاضي مما يشوقه إلى معرفة الكاهن بنفسه والاستنارة بهديه ابتداء من المحاورة التاسعة (ص82-100)

وقد كان بورغاد يرمي من كتابه الأول إلى إثارة شك قرّائه في دينهم في المقام الأول فكان يتقدم بحذر شديد ويتجنب المواجهة ويكتفي بزرع البذرة حتى إذا بلغ آخر الكتاب تعددت نقط الاستفهام في نفوس القراء أو هكذا أراد.

وإذا كان دور الكاهن بارزا في مسامرة قرطاجنة فإنه سيكون على عكس ذلك في مفتاح القرآن حيث لا يشارك في النقاش إلا في المحاورة الأولى ثم ينسحب لإفساح المجال لمخاطبيه كي يستخلصوا بأنفسهم النتائج المترتبة عن اقناعهم بالمبادئ والمقدمات التي رسمها الراهب في الكتاب السابق. ويكتفي بالحضور في آخر محاورة كي يشاهد، دون تدخل، ما آلت إليه مساعيه إلا أنه سيقحم في الحوار شخصا ثالثا إلى جانب المفتي والقاضي واختار أن يكون من أعيان الجزائريين المتبحرين في مذهب مالك هاجر من وطنه واستقر بتونس وهو يلقبه بالـ"ـدزيري " كما يسمي نفسه بالبباص وسيسمح له حضور الجزائري بتخصيص فصل طويل في نطاق المحاضرة الأولى (19) لعرض" مشاريع الحكومة الفرنسية الرامية إلى تحسين حالة أهالي الجزائر" وللتشنيع على الأمير عبد القادر وأتباعه إذ " أن سلوكه في إفريقيا يضر مصالح العرب ودين القرآن أكثر مما ينفعهما" وللتحريض على ترك التعصب وعلى الاقتداء بسياسة الباب العالي في رشدها. إلا أنه يعود إلى موضوعه الأصلي بعد هذه المقدمة وينفي على لسان القاضي أن تكون لمحمد معجزات بنص القرآن ويسخر من المعراج بالخصوص. وهكذا يلتحق "الدزيري " بصف الشاكين في المحاورة الخامسة (ص54-60) كما تمثل هذه المحاورة. حجر الزاوية في هذا الكتاب إذ يعرض المؤلف الحل الذي يمكن المتحاورين من الخروج من المأزق الذي أوقعهم فيه وهو المفتاح الذي يمكن استعماله في نظره لتفسير القرآن وفهم متناقضاته والتمييز بين الذي يمكن استعماله في نظره لتفسير القرآن وفهم متناقضاته والتمييز بين خطئه وصوابه ويتمثل في اعتبار الكذب وسيلة لجأ إليها الإسلام كما رغب فيها علماؤه للمنافحة عن الدين. وسيكون باقي الكتاب تطبيقا لهذا المذهب واستعمالا لهذا المفتاح في الآيات القرآنية والسنة النبوية، ولم يبق بعد ذلك إلا استخلاص نتائج هذا التطبيق فيما يتعلق بالله والآخرة والحياة الاجتماعية والأخلاق.(20).

فهل من الضروري التنبيه إلى أن هذه النتائج لا يمكن أن تكون في نظر الكاتب إلا سلبية؟ وهي تمثل حسب تخطيطه العام نقطة اللارجوع بالنسبة لمعتنقي الإسلام حيث تتجلى لهم جهالاتهم ويندك صرح دينهم مهما كان نوع تعلقهم به في الماضي: عاطفيا أو عقليا أو نقليا أو موروثا عن آبائهم فحسب.

أما الكتاب الأخير في هذا الثالوث وهو “المرور من القرآن إلى الإنجيل" فهو امتداد طبيعي لسابقيْه حيث يحاول الكاهن بورغاد، بعد أن أقر الشك في نفوس مختلف الأشخاص المتحاورين وتركهم في مفترق طرق، أن يوجههم إلى سلوك سبيل الدين المسيحي. وهذا الكتاب أقرب الثلاثة إلى الردود النصرانية التقليدية على الإسلام. فهو يتناول فيه قضايا الخلاف الأساسية بين الدينين مبطلا العقائد الإسلامية واحدة واحدة ومثبتا في كل مرة العقائد المسيحية بنفس الحجج المعهودة والمتداولة عند اصحاب الردود على اختلاف مناهجهم ولا سيما أولئك الذين ظنوا أنه يمكنهم أن يجدوا في القرآن نفسه ما يدعّم المعتقدات المسيحية وأن المسألة تتعلق بحسن فهم القرآن وتأويله وتكميله إن لزم الأمر.

ولئن كان تحليل محتوى هذه الكتب تحليلا وافيا يخرج بنا عن الإطار الذي رسمناه لهذا البحث فإننا نلاحظ في هذا الثالوث عامة طرافة التقديم الذي يمتاز بها. ذاك أن الكاهن بورغاد قد ألفه في شبه قالب مسرحية ذهنية تعتمد الحوار أساسا بين اشخاص رئيسيين هم الراهب والمفتي والقاضي والجزائري وأشخاص لا يقومون إلا بأدوار ثانوية مثل الطبيبة وكاتب الجزائري وطفل مسلم وطفل مسيحي وبعض البدو والخدم ، ومن الطبيعي أن لا تعتمد هذه المسرحية على الحركة ولكنها رغم ذلك غير منعدمة بقطع النظر عن التكلّف الذي تتسم به غالبا وعن صبغة التهريج التي تصطبغ بها أحيانا(21).

كما نلاحظ مدى حرص المؤلف على تبسيط لغته ومفاهيمه على السواء ويبدو ذلك بصورة أوضح في الترجمة العربية لمسامرة قرطاجنة حيث لا يتحاشى الكاهن بإعانة تلميذه التونسي استعمال الألفاظ والعبارات العامية بكثرة لأنه غرضه ليس الاقتصار على بث كتبه في أوساط المثقفين المتضلعين في العربية وهم آنذاك من خريجي جامع الزيتونة أي من المتشبعين بالقيم الإسلامية وبالتالي أبعد قرائه عن مجاراته في ما يدعو إليه، وإنما كان يرمي إلى نشرها في الأوساط الشعبية لأنه يعتبر أن أفرادها جاهلون في الأغلب لدينهم فهم إذن قابلون للتأثر أكثر من غيرهم كما صرح بذلك في نشريته" جمعية سان لويس" داعيا إلى جمع الأموال لتحقيق مشروعه.

ونلاحظ أخيرا متانة الارتباط بين الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام الذي ألف فيه بورغاد كتبه التبشيرية -وهو وضع يتسم، كما رأينا، بالتأثير العميق لاحتلال فرنسا الجزائر من جهة كما يتسم بضعف السلطة السياسية وتدهور الحالة الاقتصادية وانتشار الأوبئة وقلة انتشار المعارف -وبين جرأة الكاهن- وهو أول أوروبي قلده الباي نيشان الافتخار- على المجاهرة بالسخرية من الإسلام وتفضيل الإنجيل على القرآن وادعائه تنصير المسلمين، وأي مسلمين في آخر مرحلة من كتاب" المرور من القرآن إلى الإنجيل حين يقرأ الصلاة المسيحية ويؤمّن عليه الحاضرون بعد أن اقتنعوا بآرائه. ثم لا نسجل –فيما نعلم- أي رد فعل من أي كان(21مكرر)

ولكن انعدام أصداء هذه الحملة الصليبية السلمية" بين التونسيين وإن دل على حالة هي للموت أقرب منها إلى الحياة فإنه يدل أيضا على فشلها. وكان هذا الفشل من العوامل التي دفعت الكاهن بورغاد إلى مغادرة تونس نهائيا سنة 1858م والاستقرار بالعاصمة الفرنسية حيث مات في سن الستين فقيرا منسيا.

الكاردينال لافيجيري

وهكذا لم يكن فرنسوا بورغاد إلا رائدا للحملة الصليبية التي صاحبت النفوذ الفرنسي المتزايد في المغرب. أما تزعم هذه الحملة مدة طويلة وحاسمة فسيكون من شأن رجل أخطر من نواح عدة له من الجرأة والفصاحة والذكاء والقدرة على التنظيم وتسيير الرجال وكسب الأنصار ما جعله يتصدر الركح الديني والسياسي في الجزائر بالمرتبة الأولى وفي تونس أيضا وفي موطنه الأصلي وفي أوروبا والعالم ردحا من الزمن، ألا وهو الكاردينال شارل ألمان لافيجيري(1825-1892). فقد لعب دورا أساسيا في التمهيد للحماية الفرنسية في تونس(22) واشتهر بالنداء الذي وجهه باسم البابا إلى المسيحيين الفرنسيين كي يساندوا النظام الجمهوري(23)وتزعم الحملة الداعية إلى القضاء على الاسترقاق بواسطة العشرات من المقالات والخطب والمحاضرات في مختلف عواصم أوروبا(24)

وقد حظي هذا الرجل بالعديد من الدراسات المتفاوتة قيمة وعمقا وشمولا (25)، إلا أن من العسير معرفة حقيقة آرائه ونشاطه بكل موضوعية ما لم يتسن الوقوف على كل الوثائق الخاصة به المحفوظة بالفاتيكان ولم تنشر كل مؤلفاته ومراسلاته(26) وإذا كان البحث العلمي يفرض علينا هذا الاحتراز فإن ذلك لا يمنعنا من استغلال النصوص العديدة التي تحت تصرفنا لتوضيح موقف لافيجيري من الإسلام وإبراز نشاطه التبشيري الواسع(27) بل سنحاول أن نفسح له المجال ليبسط آراءه بنفسه مكتفين بانتقائها وترتيبها وشرح ظروفها.

أول ما يلفت الانتباه في تفكير لافيجيري من خلال آثاره في كل ما يتعلق بالإسلام وضوح النظرة –بقطع النظر عن صوابها- وبساطتها واستقرارها. ولا شك أن لتكوينه المسيحي في سان سولبيسSaint )-Sulpice ( وللجو الثقافي الذي عاش فيه ضلعا كبيرا في توجيه آرائه وتكييفها لإلا أن العامل الحاسم الذي أثر فيه تأثيرا عميقا ودائما هو اتصاله بالمسلمين ف-ي بلاد الشام واحتكاكه بنصارى تلك البلاد حين أشرف سنة 1860 بصفته مديرا "لمؤسسة مدارس الشرق" (Œuvre des Ecoles d’Orient )على توزيع الإعانات على المسيحيين الذين اضطهدهم الدروز وقتلوهم فاستقر في ذهنه منذ تلك السفرة(28) أن الدين الإسلامي أخطر أعداء المسيحية وأنه دين التعصب لذا وجب البحث عن الوسائل العملية لتخليص معتنقيه منه ومن شروره ومدّهم بأنوار التعاليم الإنجيلية

وإيمانا منه بصحة هذا المبدأ لم يتردد في قبول المنصب الذي عرضه عليه الماريشال ماك ماهون(Mac-Mahon) الحاكم العام على الجزائر آنذاك ليكون كبير أساقفة الجزائر خلفا للأسقف المتوفى. (29)

ولكن وضعية الكنيسة في الجزائر حين بدأ مباشرة مهامه الجديدة سنة1867 م لم تكن ترضيه وهو الذي "جاء تحدوه عواطف السلام والتآلف ولكن تحدوه أيضا عواطف الفتوحات الدينية"(30) ذلك أن سياسة فرنسا كانت تقضي منذ الاحتلال بعدم مصادمة شعور الجزائريين الديني خوفا من انتفاضهم عليها وشق عصا الطاعة في وجه الحكم الفرنسي رغم إلحاح سلفي لافيجيري: ديبيش( DUPUCH) وبافي (Pavy) ومعارضتهما لهذه السياسة.


فكانت المجاعة المنتشرة في الجزائر سنتي1867 و1868 الفرصة الذهبية التي استغلها لافيجيري ليطبق شعاره منذ كان أسقف نانسي Nancy وهو "الإحسان وحب القريب في الله" CHARITE. فطفق يجمع التبرعات ويوزعها على المتضررين مستهدفا النساء والأرامل والأطفال اليتامى في الدرجة الأولى وأنشأ لهذا الغرض محلات يأوي إليها من شملهم إحسانه حتى يبرز للعيان فضائل الديانة المسيحية. ويقول في ذلك: “إنني حين أعين الأرامل والأطفال بما أستطيع فإنما أعين السكان المسلمين لأؤدي واجبي كإنسان وكمسيحي وكأسقف وليس لي من طموح سوى أن أظهر مرة أخرى الخصائص الإلهية لدين يأمر بحب كل الناس وإسعافهم مهما كانوا ولو كان ذلك بالمخاطرة بالنفس"(31).

ولم يجد بدا في ذلك الظرف من التفكير في تنظيم هذه الرعاية التي يحيط بها المنكوبين وتوفير الأعوان الذين يحسنون لغة البلاد كي يتسنى لهم تحقيق الأهداف التي ينشدها. وبدأت تختمر في ذهنه فكرة إنشاء جمعية تبشيرية ملائمة للظروف التي ستدعى إلى العمل فيها حتى نشأت" جمعية مبشري إفريقيا (Société des missionnaires de l’Afrique) المعروفة بالآباء البيض( pères blancs)لأنهم كانوا في بداية أمرهم يلبسون الزي الأهلي المتمثل خاصة في البرنس والشاشية.

وقد جرّ له هذا الحزم معارضة السلطات الإدارية الفرنسية في الجزائر ولكن تلك المعارضة مكنته من نقل الخلاف القديم من إطاره الضيق إلى مستوى أشمل وربطه بفلسفة الاستعمار الفرنسي ذاته. وكانت الشرارة التي نشرت هذا الصدام بعض ما ورد في رسالة وجهها لافيجيري إلى مدير مؤسسة مدارس الشرق التي كانت تمول مشاريعه حول استعمال التبرعات لفائدة ضحايا المجاعة في أبرشية diocèse عاصمة الجزائر في أفريل سنة 1868. يقول في هذه الوثيقة الهامة :" إننا نكون سعداء لو استطعنا أن نغزو بهذا الثمن (أي موت رجال الدين المسيحيين) لفائدة هذا الشعب المسكين الشيء الوحيد الذي من شأنه أن ينقذه، أعني أنوار الإيمان وفضائله لتنمي فيه بدل تعصبه الشعور بالمسؤولية الأدبية وطاقة الواجب..."(32) ثم يضيف:" ولكن المشروع الذي يسمح لي في هذا المجال بأوفر ثقة المشروع الذي يؤدي حتما في وقت لاحق إلى إدماج الجزائر بسرعة إن رُعي باستمرار وقُدّم على غيره ونُمّي ، إنما هو مشروع تربية الأطفال وفي هذه الفترة تربية اليتامى..." ويقول بعد ذلك:" وإذا وقعت المواظبة على هذا المشروع...فستكون لنا في بضع سنوات مشتلة من العمال النافعين، المؤيدين لاستعمارنا الفرنسي والأصدقاء له ولنقلها بوضوح: من العرب المسيحيين . إن هؤلاء الأطفال المساكين الجاهلين غاية الجهل بكل شيء سواء بأمور دينهم أو بغيرها، ليس لهم حتى من هذه الوجهة أي رأي مسبق وأي نفور منا ولا أشك في أن الكثير منهم متى استفادوا من أقوالنا ومن أفعالنا سيطلبون بأنفسهم يوما ما التعميد. وسيكون ذلك بداية تجدد هذا الشعب وهذا الإدماج الحقيقي الذي يُبحث عنه لكن بدون طائل لأن البحث عنه كان إلى حد الآن، مع القرآن وسنكون مع القرآن بعد ألف سنة كما نحن اليوم كلابا من المسيحيين وسيكون ذبحنا وإلقاؤنا في البحر عملا مقدسا يثاب عليه صاحبه." (33) ثم يتخلص أنه " يجب إنقاذ هذا الشعب، وينبغي الإعراض عن أخطاء الماضي، لا بد من الكف عن حصره في قرآنه كما وقع ذلك في مدة طالت أكثر من اللازم وكما يراد فعله الآن بواسطة مملكة عربية مزعومة، يجب أن نلهمه، عن طريق أبنائه على الأقل، أحاسيس أخرى ومبادئ أخرى ينبغي أن تقدم له فرنسا، بل أنا مخطئ، تسمح بأن تقدّم له ومبادئ الإنجيل بإشراكه أخيرا في حياتنا أو أن تطرده في الصحاري بعيدا عن العالم المتمدن..."(34).

فلا عجب أن يصرح لويس برتراند L .Bertrand عضو الأكاديمية الفرنسية وأحد المتحمسين لسياسة الإدماج، في الذكر المئوية لميلاد الكاردينال :" ما أشد دهشتي وأنا ألتهم بنهم مؤلفات لافيجيري المختارة. لقد اكتشفت في كل صفحة تقريبا تفكيري الذاتي ونظرياتي الإفريقية الشخصية."(35)

ولكن فحوى هذه الرسالة ، وخاصة الفقرة الأخيرة التي ترجمناه منها، قد أثار في ذلك الوقت ردود فعل عنيفة في الصحافة والإدارة الفرنسية مما أدى بلافيجيري إلى توضيح قصده مما كتب فقال في رسالة إلى محرر أحدى الجرائد الصادرة بالجزائر:" أنتم تعرفون أنه لم يكن لي حين كتبت تلك الجملة إلا هدف واحد وهو أن أقيم الدليل عبقا، أي استحالة إنجاز ذينك الأمرين ماديا ومعنويا، على ضرورة السماح أخيرا بالأمر الأول بعد التجربة المرّة التي قمنا بها وأن نُمكّن لا من استعمال القوة وهو ما لا نرغب فيه بحال ولكن من حرية التبشير وأقصد من ذلك حرية الإنسان وحرية التفاني(36)

كما بعث برسالة في الموضوع إلى الماريشال ماك ماهون يتبرأ فيها من التهمة الموجهة إليه وهي أنه: "يريد أن يدفع أولئك العرب المساكين ثمن الخبز الذي يوزعه عليهم / والتضحية بدينهم."(37) ويؤكد فيها أنه لا يكره البتة أحدا على الدخول في النصرانية وإن كان لا يتردد في تعليم ما يعتقده هو صحيحا وخاصة فضل التعاليم المسيحية على التعاليم والأخلاق التي يؤمن بها الجزائريون و" فضل فرنسا ورؤسائها عند الناس وعند الله على تركيا وسلاطينها"(38) ثم يحتج في الرسالة على سياسة فرنسا الدينية في مستعمرتها فيقول:" وفي نفس الوقت الذي كان فيه سَلَفَاي محرومين من كل حرية فإنهما كان يشاهدان ارتفاع المساجد غير النافعة في كثير من الأحيان بأبهض الأثمان وتشجيع المدارس والاجتماعات الدينية التي تذكي تعصب الأهالي بواسطة الإعانات المالية وتسهيل الحج إلى مكة وقيام مسلمي الجزائر به على نفقة الدولة وأخيرا، وهو أمر لا يتصور حقا، نشر تعليم القرآن باسم فرنسا حتى بين الذين لم يعرفوه قط كسكان بلاد القبائل."(39)

وقد انتهى أمر هذا الخلاف كما أراد لافيجيري بمنحه حرية العمل في الجزائر بعد تدخلات وضغوط عديدة وبعد أن راسل الإمبراطور نابليونIII نفسه في الموضوع مؤكدا له أن" الوقت قد حان ليسمح لرجال الكنيسة بالشروع في ممارسة تأثير أخلاقي وديني في العرب عن طريق الإحسان على الأقل"(40). فكانت سنة 1868 م السنة الفاصلة بين وضعين اتسم الأول بالاحتراز في مصادمة شعور المسلمين الديني واتسم الثاني بالمجاهرة في العمل على نشر المسيحية باعتبارها ركنا أساسيا في البناء الاستعماري المنشود. ولا أدل على ذلك من الخطاب الحماسي الطويل الذي ألقاه لافيجيري بمناسبة تدشين المصلحة الدينية في جيش إفريقيا حيث أرّخ للاحتلال الفرنسي للجزائر ورأى فيه تنفيذا لما ارتضته العناية الإلهية وخاب فرنسا المسيحية قائلا بالخصوص:" إن كنت وَعدتِ باحترام هيكل الشعور في هذا الشعب فليس لك الحق في تقييد الحقيقة ومنع كتبنا من نشرها ولا تخشي بعد ذلك أن كنت أطلب، لبعث الإيمان من جديد في هذه الربوع، الأسلحة الدموية التي خنق بها القرآن ذلك الإيمان منذ قرون طويلة."(41)

وعبر عن نفس هذا الرأي والشعور في افتتاح أول مجمع يعقد في الجزائر مستفهما عن مغزى احتلال فرنسا للجزائر:" هل قضت جيوش الصليب لأول مرة على الهلال عبثا؟" ومتسائلا" ما هي قواعد الحزم والإحسان والحذر والاحتراز التي ينبغي أن نفرضها على أنفسنا لكي نحظى قبل كل شيء بثقة هؤلاء الكفار وبقلوبهم وهم الذين يكادون يكونون جميعا أحفاد المسيحيين الذين وقعوا قهرا تحت وطأة القرآن؟ لكن لا بد من حفظ أعينهم المريضة من النور فلا يوفّر لهم إلا بمقدار خوفا من اعمائهم بدون رجعة."(42)

فنرى إذن أن اهتمام لا فيجيري قد انتقل من المناداة بحرية العمل إلى البحث عن الوسائل الفعالة للوصول إلى غايته بعد أن توفرت له تلك الحرية فكان مما أنشأ قرية جمع فيها عددا من اليتامى الذين نصّرهم. وقد وضّح بنفسه الهدف من مشروعه حين قال:" إن ما نريده هو خاصة ضرب مثل. وفعلا نريد أن نبين ما يمكن أن يرجى يوما من هذا الجنس الإفريقي الذي هوى إلى الحضيض بإنشاء قرية عربية في ظل الصليب ولو كان ذلك في ظروف غير ملائمة فإن ما يعترض احتلالنا النهائي للجزائر هو في الواقع مسألة دين كما قلناه مرارا."(43)

ولكنه يفسر إنشاؤه لهذه القرية تفسيرا آخر يبرر به نشاط الكنيسة من جهة ويفصل به من جهة أخرى بين الأغراض السياسية المحضة والعمل التبشيري فيلاحظ في رسالة إلى أحد نواب الجزائر سنة 1874:"لقد حرم المجتمع العربي من كبار رؤسائه وفقد القبائليون جماعاتهم العتيقة وأزيل القضاة المسلمون في كل مكان وتغيرت الملكية وانتقلت الأراضي إلى أيدي المعمرين..."(44) وهو بذلك يبرز الآثار السيئة التي أحدثتها سياسة فرنسا ليقارنها بالعمل الإنساني الذي تقوم به الكنيسة والمتمثل في أن" الإحسان المسيحي أتى أتى ليجمع أشلاء أولئك السكان المحكوم عليهم بالهلاك."(44)

وهذا ما يؤكده بعد عدة سنوات حين اتهم بتنصير التونسيين فرد بقوله:" لا شك أنه ليس من الضروري أن يكون أحد كاهنا بل يكفي أن يكون إنسانا فحسب ليرغب في تغيير الأجناس المسكينة المنحطة المستقرة في إفريقيا الشمالية وليرغب في تخليصها من الشرور المستبدة بها فيخلص النساء والأطفال وكل من هو ضعيف من الربقة الأنانية والقاسية لكل من هو قوي ويخلص الرجال من الجبرية العمياء ومن الكسل ومن كل العيوب. إلا أن التبشير العادي بصفة شخصية عاجز عن مواجهة الآراء المسبقة العمياء والأهواء المتأصلة المشتركة في هذه المقاومة التي تقوم بها البربرية بل هو على العكس من ذلك ضار حين لم تعدّه العناية الإلهية ذاتها.

إن المبشر الحق الوحيد الذي له جدوى في هذا الظرف هو عمل الأحداث التي تغير الوضعية السياسية لهذه الربوع فحكامنا وجنودنا هم إذن دون علم وحتى دون إرادة أعوان هذه الرسالة الجديدة. إنهم يمثلون القوة والقوة عند المسلمين هي الله ذاته وعندما يرون انفلاتها من أيديهم إلى الأبد فإنهم يضطربون وتتشوش عقيدتهم وهو ما نلاحظه بعد بوضوح في الجزائر حيث يتفكك كل شيء حتى دينهم دون أي عمل ظاهر.

فهل يبقى رجال الكنيسة إذن مكتوفي الأيدي أمام هذا المنظر؟ لا إنهم قد كلفوا برسالة، برسالة سنية ولكنها لا تستطيع ولات ينبغي لها أن تقلق أحدا. فبينما يسلب الأهالي قدرتهم وأسلحتهم وتقاليدهم الموروثة منذ قرون فإننا نبحث عن تهدئة تلك القلوب الساخطة وإرجاعها إلى الجادة بممارسة التفاني والإحسان(45). وإن ما نحصل عليه بهذه الطريقة ليس بدون شك دخولا سريعا ومتهورا في الدين المسيحي لن يكون إذ ذاك إلا تهيئة للخروج منه وإنما هو خير أكثر دواما وتمهيد ثابت بدون هزات وبدون أخطار لتغيير العالم الإفريقي"(46).

بهذا إذن يمكن أن نفسر مختلف مظاهر النشاط التبشيري الذي قام به لافيجيري في الجزائر وتونس إذ هو يتمثل في تركيز الأسس التي سيقوم عليها تنصير شمال إفريقيا عامة وتتلخص الوسائل التي دعا إليها كما رأينا:

أولا وبالذات في ممارسة الإحسان بمختلف أشكاله.

ثانيا: في تعليم الأطفال تعليما مسيحيا " يحطم التعصب الأعمى الذي يقوم لهم في مقام المعتقد ويهيئ مستقبلا جديدا مع الأجيال الجديدة."

ثالثا: في أن يكون رجال الكنيسة خاصة والأوربيون عامة القدوة الحسنة في كل شيء حتى يكونوا مثالا يحتذيه وينسج على منواله الأهالي.

النصب التذكاري للافيجيري

وكثيرا ما أوصى لافيجيري المبشرين، بالإضافة إلى عملهم بهذه الوسائل، بأن لا يتركوا فرصة سانحة أو مناسبة لإلا وذكّروا المسلمين بأن أجدادهم كانوا مسيحيين وبأنهم لم يدخلوا في الإسلام إلا قهرا. ولهذا كان اعتناؤه بالبحث والتنقيب عن تاريخ الكنيسة الإفريقية وقدّيسيها اعتناء شديدا ومتواصلا استعان فيه بزمرة من معينيه المقربين وظهرت آثاره في خطبه ورسائله. فليس من الغريب أن لا يعتبر نفسه إلا المحيي لأمجاد تلك الكنيسة وإلا الوارث لكرسي القديس سيبريان فيقول على سبيل المثال:" وكنيسة تونس هي كنيسة قرطاج إلا أن قرطاج... هي مهد المسيحية في إفريقيا، وفيها كرسي الجاثليق (Primat) المشرف على سبعمائة كنيسة أسقفية وهي مدينة العديد من الشهداء و العلماء والمعرّفين والعذارى المقدسات، وهي مدينة تريتليان(Tertullien) وسيبيريان (Cyprien) وفولجانس (Fulgence) وفيليسيتي (Félicité) وبربيتو(Prepéture) ومدينة تلك المجامع الشهيرة التي كانت مدة طويلة نور العالم المسيحي"(47). وكذلك الشأن بالنسبة لأي مكان في المغرب العربي له ذكر في تاريخ الكنيسة بوجه من الوجوه.


وكانت توصياته المتكررة إلى المبشرين الذين يعدّهم للعمل في إفريقيا عامة تحذرهم من الوقوع في اليأس والشعور بالخذلان إن لم يحققوا غايتهم على النحو الذي يرجونه وإن لم يستجب الأهالي إلى دعوتهم. ويؤكد لهم أن" على المبشرين أن يكونوا بالخصوص ممهّدين لانتشار مبادئ المسيحية. أما العمل الدائم فينبغي أن يقوم به الأفارقة أنفسهم حين يصبحون مسيحيين ودعاة" ويوضح هذا الرأي بقوله:" ولا بد من ملاحظة ما نقوله هنا جيدا : "حين يصبحون مسيحيين ودعاة لا حين يصبحون فرنسيين وأوربيين...فيجب إذن خدمة عاطفتهم وروحهم وذكائهم أي باطنه لجعله مسيحيا بإخلاص وعلى العكس يجب الحفاظ لهم على كل المظاهر الخارجية الأهلية من لباس وفراش ومأكل وعلى اللغة بالأخص" أما اليتامى فينبغي أن يكون مظهرهم الخارجي أوروبيا "ليكون بمثابة الحاجز دون الميول التي تردهم إلى الكفرّ(48)

ولقد تسنى للافيجيري، وقد أصبح كاردينالا منذ سنة 1882، أن يبلور آراؤه حول الإسلام والمسلمين في العديد من الخطب والرسائل التي ألقاها وكتبها بمناسبة الحملة التي تزعمها ابتداء من سنة 1888 للقضاء على الاسترقاق في إفريقيا والتي شفعت بمؤتمر بروكسيل سنة1890. فكانت تلك الحملة مندرجة في نطاق النشاط التبشيري الذي ما انفك يقوم به مذ حلّ بالجزائر. ولقد كنا أشرنا إلى الاستقرار الذي تتسم به أفكاره ويدلنا على ذلك قوله بنفسه سنة 1888:" عند ما قدمت إلى هذه البلاد منذ ما يزيد الآن عن عشرين سنة رأيت من الضروري التوغل إلى داخل إفريقيا بإزاء الأهالي الوثنيين إذا ما أبيت قصر وظيفتي على البلدان الإسلامية التي يكاد يتعسر اقتحام الإنجيل لها."(49)

وكانت الحجج التي استعملها لجلب الأنصار لحملته تنبني أساسا على اعتبارات إنسانية وهي انتشال الأفارقة من العبودية وتخليصهم من أصناف العذاب التي يتعرضون إليها عند استعبادهم ونقلهم إلى الاٌطار التي يباعون فيها للخدمة المنزلية، ثم على اعتبارات سياسية واقتصادية لها مساس متين بالاستعمار الغربي وانتشار الحضارة المسيحية فيصيح مثلا في إحدى محاضراته:" إنه القضاء المبرم عاجلا على سكان إفريقيا وانغلاق وسطها دون أوروبا وإبعاد ثرواتها ومعادن ذهبها وفضتها وفحمها وأراضيها الخصبة ومياهها المتدفقة وجمال سهولها العالية عن التمدن وجعلها غير نافعة لبقية العالم في نفس اليوم الذي عرفنا فيه وجودها"(50).

ولم تكن دعوة لافيجيري إلى القضاء على العبودية لتهمنا في هذا المجال لو أنه اقتصر في دعوته على هذه المبررات وإنما كان يحمّل المسلمين وحدهم مسؤولية الاسترقاق وانتشاره على نطاق واسع مما جلب له معارضة شديدة من المسلمين(51) وحتى من بعض الأوروبيين الذين أنكروا عليه تبجحه بعمل الكنيسة على إبطال الاسترقاق بينما يرجع "الفضل في إبطال الرق للثورة الفرنسية". فأوضح الكاردينال أنه لا يقصد إلا عددا ضئيلا من المسلمين وهم الذين يتاجرون بالرقيق دون غيرهم.

لكن الرأي الثابت الذي كان لافيجيري متشبثا به رغم ذلك هو أن القضاء على الاسترقاق يعني القضاء في نفس الوقت على الإسلام كنظام اجتماعي- كما يبدو ذلك من الوثائق التي نشرها بمناسبة هذه الحملة(52)- ووقف انتشاره السريع في افريقيا حتى لا تصبح هذه القارة "فريسة لأعداء أوروبا منذ خلقوا" وضحية الدين الإسلامي الذي هو بالنسبة إليه" رائعة روح الشر لأنه يرضي بعض الإرضاء أعمق حاجات قلب الإنسان والحاجات الدينية بالقسط الذي يحتفظ به من الحقيقة ويفتح في نفس الوقت للأهواء كل الحواجز ويكسب فوضى الحواس صبغة شرعية ويؤله القوة الغاشمة" فيؤديه هذا الاعتقاد الراسخ إلى التساؤل" كيف تُخلّصُ الأرواح من سلطانه؟" ثم يستنتج أن" الدين المحمدي لا يمكن أن يهلك إلا من تلقاء نفسه بالإفراط الذي هو نتيجة مبادئه وبالموت الذي يحمله معه في كل مكان..."(53).

وهكذا يتضح لنا بهذا الاستعراض، الذي أردناه موضوعيا وخاليا من كل نزعة جدلية، لآراء علمين من أعلام الحركة التبشيرية، مدى الارتباط الموجود بين تلم الحركة وبين الاتجاه الاستعماري السائد في عصرهم وإلى أي حد كان كل من بوغارد ولا فيجيري سيئي الظن بالإسلام يريانه من خلال منظارهما الخاص ومن خلال مظاهر التخلف التي يتخبط فيها المسلمون.

وإذا كانت سبيل التبشير قد اصطبغت في كثير من الأحيان بصبغة التحدي(54) وسوء الفهم والتقدير للإسلام(55) فهل يمنع ذلك من ربط الحوار بين المسيحيين والمسلمين بعد أن طويت صفحة المتضي(56) واعترف أبناء لافيجيري الروحيون أنفسهم أن" طموحه في المساهمة بالجزائر في نشوء أمة عظيمة بنت لفرنسا قد نقضه تماسك السكان الأصليين اجتماعيا ودينيا"(57) ولاحظوا أن "الذين يريدون اليوم لومه على اعتبار الاستعمار حالة هيأتها العناية الإلهية لنشر التعاليم الإنجيلية إنما يطالبون الناس بأن يجتازوا مسبقا مراحل التاريخ؟؟(58)

نعم إن كلا من الديانتين الإسلام والنصرانية، على عكس اليهودية، ديانة كونية ترمي إلى شمول الجنس البشري كافة وهذا ما يفسر لنا إلى حد ما أسباب الصدام الذي قد يبدو مؤكدا ولا مناص منه إلا أن الرغبة الملحة في الإعراض عن النواحي السلبية في العلاقات الماضية وإرساء قواعد جديدة للتعايش المثمر أقوى من عناصر التفرقة وهي رغبة فرضتها الأحداث والتطور الحضاري المعاصر (58مكرر) ولا يمكن أن نطالب بها من الأجيال التي عاشت في إطار ثقافي مباين كل المباينة للإطار الذي نعيش فيه نحن(59). لتأكيد على هذا الفارق الأساسي لا ينفي بالطبع فائدة الرجوع إلى الماضي لإبراز ما اتسمت به مواقف الطرفين المتقابلين حتى تتضح مواطن الاتفاق والخلاف خلى حد السواء وبذلك يمكن تجنب حوار الصمّ، تلك الصفة التي غلبت على كل إنتاج له صلة ما بهذه المسألة.

تمثال الكاردينال لافيجيري

لكن هل نستطيع أن نعرف بوضوح مواقف التونسيين وردود فعلهم إزاء مواقف المبشرين الواضحة وهجوماتهم المنظمة؟ لنا أن نتساءل: أين كانت نخبة البلد وما هو موقفها من سبل التبشير المتعددة؟ هل كان رجال الدين ، خاصة، شاعرين بأبعاد هذه الحركة؟ لماذا لم يردوا مثلما رد المشارقة بعشرات المؤلفات على حملات المبشرين البروتستان في الهند والشرق الأدنى؟ (60) أكان ذلك على سبيل الاحتقار أم مرده إلى الجبن أم سببه ضيق الآفاق العقلية الخانق؟

كما يمكن أن نتطلع إلى معرفة النتائج التي أدت إليها هذه الحملة التبشيرية التي سخرت لها الأموال الطائلة: هل تنصر عدد من التونسيين وفي أي ظروف (61) هل كان لها مفعول ما في البيئة التي انتشرت فيها؟ وهل ساهمت في بعث حركة فكرية أثْرت التفكير الديني مطلقا؟ وبعبارة أوجز: ماهي انعكاساتها إيجابية كانت أو سلبية؟

عبد المجيد الشرفي

هوامش المقال[عدّل]

  • نشر هذا المقال ضمن حوليات الجامعة التونسية، العدد الثامن، سنة 1971، ص ص131-156.

1- انظر عن الحوار الإسلامي المسيحي قائمة المراجع في Anawti: vers un dialogue islamo-chrétien,in revue thomiste,1964,II,pp280-1964,IV,pp285-630

R.Caspar/Le dialogue islamo-chrétien?bibloigraphie,in Parole et Mission?N°33,Avril1966,pp312-322 et n°34,Juillet,1966,pp475-481.

2- عن الكبوشيين ارجع إلى P.Anselme des Arcs:Mémores pour servir à l'histoire de la maison des Capucins dans la régence de Tunis1624-1865,Rome,1889,IN 8°,P142. A.Pons: La nouvelle Eglise d'Afrique ou le Catholicisme en Algérie,Tunisie et au Maroc depuis 1830,Tunis,1930,p340 وإلى الفصل الثاني من القسم الثالث(ouvriers précurseurs de la France et en Tunisie

3-E.Pelissier:Description de la Régence de Tunis,in4°,P378

4- هو ماتيودي ليسبس (Mathieu de Lesseps) والد فرديناد

5-راجع نص هذا الفصل السري في المصدر السابق ص57-58 ويمكن كذلك مراجعته في.V.Guérin:La France catholique en Tunisie,à Malte et en Tripolitaine ,tOURS;1980,P238 P.Gabeut, Un oublié ,l'Abbé Bourgade ,Auch,1905,P77 وفي صفحة 12 و20. مع الملاحظة أن ابن أبي الضياف لا يذكره في الاتحاف: انظر <3 ص168 و169 والطريف أن المعاهدة قد أمضيت بإسم ملكة فرنسا شارل العاشر، حفيد سان لويس، ولم يكن نبأ خلعه قد وصل تونس بعد.

6-Abbé F Bourgade:ASSOCIATION DE SAINT -Louis...Paris,sd,p31

7- Soeurs de charité ، انظر مسامرة قرطاجنة لبورغاد، طبعة باريس، ص1.

7 مكرر- انظر عن هذا الأسقف ( Dupuch) وعن خلافه مع الأخوات التابعات لـEmilie De Vialar كتاب Marcel Emcrit:La lutte entre les généraux et les prêtres au début de l'Algérie française, in Revue Africaine,XCVII,n°434-5,1er et 2ème trim,1953,pp66-97

8- Toison d'or de la langue phénicienne,Tunis,1866

9-Lettre à M.E.Renan à l'occasion de son ouvrage intitulé Vie et Jésus,Paris,1864

10-Bourgade:Association de Saint-Louis... المرجع المذكور صفحة 5.

11-P.Gabnet:المرجع المذكور صفحة 31.

12- ص 179، هامش1.

13 انظر نص الرسالة الكامل في P.Gabnet المرجع المذكور ص35-36.

14- المرجع نفسه، ص36.

15- العبارات التي بين مزدوجين للكاتب نفسه في مسامرة قرطاجنة بالعربية طبع في باريس.

16- مسامرة قرطاجنة ، ص14.

17- نفس المرجع، ص16-17.

18- نفس المرجع، ص17، في المحاورة الثانية.

19- La clef duCoran ص 3-25.

20- وهذا هو محتوى المحاورتين16و17 ص165-180.

21- انظر مثلا المحاورة السابعة في مفتاح القرآن. ص68-72.

21-مكرر: نؤيد في هذا الصدد ما أثبته المنصف الشنوفي من أن السائل أجابه ابن أبي الضياف فيي رسالته في المرأة ليس الأب بورغاد (انظر حوليات الجامعة التونسية عدد5، 1968،ص55-56) خلافا لما ذهب إلأيه في أطروحته حين قال: ومهما كان الأمر فإن الكتاب(أي مسامرة قرطاجنة) قد أحدث صدى وأصار بعد مدة ردا للشيخ بن ضياف "انظر M. Chanoufi: Le probléme des origine de l' imprimerie et la presse arabes en Tunisie dans sa relation avec la Renaissance "Nahda3,Thèse. dactylographieée à la Sorbonne. ص 113.

22- انظر في هذا المجال: Mgr.Baunard : Le Cardinal Lavigerie,Paris,1896 الجزء الثاني ، ص137 حيث يذكر مترجم لافيجيري أنه كان يتحدث في رسائله إلى قنصل فرنسا زمن الاحتلال"روستان" ( Roustan) عما سماه "انتصاب حماية فرنسا الدينية ". وانظر أيضا ما كتب بمناسبة الذكرى المائوية لميلاد لافيجيري وخاصة: G.Goyau:Un grand missionaire , Le Cardinal Lavigerie, in Revue des deux mondes,1925 (الفصل الثالث بتاريخ 15 أفريل 1925، ص783-791) وكذلك Lois Bertaud:Le centenaire du Cardinal Lavigerie à La Sorbonne,in R.D.D.M,1-12-1925 ص 580 حيث يقول :" عندما تعلق الشأن بإحلال الحماية الفرنسية بتونس كان لافيجيري مستشار قامبتا (Gambetta) وجول فيري( Jules Ferry) بل يمكن القول إنه كان دليلهما" وص597:" لو لم يقم إلا بتهيئة إنتصاب حمايتنا على تونس تلك الحماية التي كان يمكن عقدها قبل الأوان الذي عقدت فيه لو استمع إليه، وبأقل مما كلفتنا من الرجال والأموال بكثير-لاستحق كل اعتراف بالجميل من الوطن الأم.."

23- راجع بالخصوص . Xavier de Montelos: Le Toast d'Alger,Documents,Paris,De Boccar,1966

24- جمعت هذه الوثائق في حياة الكاردينال ونشرت بعنوان:

Documents sur la fondation: de l'oeuvre antiesclavagiste ,Saint-Cloud,1889

25- توجد على الأقل قائمتان بالمراجع الخاصة بلافيجيري:

J.Tournier:Biblio du Cardinal Lavigerie,1913

P.Dindinger: Mission Schrift von und aber Kardinal Lavigerie,1947

وكذلك قائمة المراجع الملحقة بأطروحة: X.de Montelos:Lavigerie,Le Saint Siége et l'Eglise,Paris,De Broccard ,1965

26- لا يسعنا في هذا النطاق إلا أن نشكر الأب ج. فونتان على تمكيننا من الإطلاع على تلخيصه الشخصي لآثار لافيجيري الكاملة في كل ما يتعلقر بالتبشير في البلاد الإسلامية.

27- أشار....X.de Montelos:Lavigerie المرجع المذكور ص3 إلى أن الأب ديرانت" Durant" يعد أطروحة شاملة عن عمل لافيجيري التبشيري.

28- وقد التقى فيها بالأمير عبد القادر في دمشق.

29- وهو بافي( Pavy) وقد مرت بنا رسالته إلى بورغاد . توفي في 16 نوفمبر1866.

30-J.Tournier:Lavigerie et son action politique,Paris,1913

31- ,Lettre annonçant la prochaine ouverture de l' asile destiné aux vieillards des deux sexes de la colonie du diocèse d'Alger, Oeuvre choisies par le Cardinal Lavigerie,Paris,2V,1884الجزء الأول ، ص138(سنشير في بقية الفصل إلى هذا الكتاب الهام بـ"الآثار المختارة").

32-الآثار المختارة، ج1، ص158.

33-نفس المرجع، ص160-162.

34-نفس المرجع، ص165-166.

35- Le centenaire du Cardinal Lavigerie,à la Sorbonne المرجع المذكور، ص600.

36- Lettre au Rédacteur du Moniteur de l'Algérie في الآثار المختارة، ج1، ص170.

37- الآثار المختارة، ص176 من الجزء الأول.

38-المرجع نفسه،177.

39-المرجع نفسه،ص179-180.

40-الآثار المختارة،ج1،ص188.

41- L’armée et la mission de la France en Afrique في الآثار المختارة، ج1،ص81.

42-Ancienne et nouvelles Eglise d'Afrique في نفس المرجع، ج1،ص90.

43- الآثار المختارة،ج1،ص236.

44- المرجع نفسه،ج1،ص259-260.

45- من أحسن الأمثلة على تطبيق لافيجيري لهذا المبدإ الجولة التي قام بها في المدن التونسية التي قاومت الحماية الفرنسية فكان يوزع الأموال بسخاء على المعوزين ويتدخل لدى السلط الفرنسية كي تخفف الغرامات التي فرضتها على السكان. انظر في هذا المجال: G.Goyau:Le second acte de la conquête(tunisienne) Promenade pacificatrice de Lavigerie المرجع المذكور ص791-793.

46- الآثار المختارة، ج2، ص520-521.

47- المرجع نفسه،ج2،ص393.

48-Cardinal Lavigerie: Ecrits d'Afrique,recueillis par A.Hamman,Paris,Grasset,1966,p129

49- Lavigerie: Documents sur la fondation de l'oeuvre antiesclavagiste ص89.

50-المرجع السابق، ص386-387.

51- انظر مثلا الافتتاحيات والفصول التي كتبها علي بوشوشة في جريدة الحاضرة سنتي1889-1890 وخاصة الأعداد 71 و72و75و82و96و98. راجع كذلك عن صدى الحملة في مصر: أحمد شفيق باشا: الرق في الإسلام، رد مسلم على الكاردينال لافيجيري، عربه من الفرنسية أحمد زكي باشا، ط مصر،1892،ص105.

52- انظر:Lavigerie:Documents...المرجع المذكور، وخاصة ص صXXIII-XXII وLIIIو 161-162 و249-252 و295-296و382-383و389و424-425.

53-الآثار المختارة،جII،ص55-56.

54- لعل أبرز مثال على ذلك المؤتمر الأفخارستي المنعقد بقرطاج وتونس في ماي 1930، وإن كان شيخ الإسلام والباش مفتي المالكي آنذاك من أعضاء هيئته الشرفية، انظر La Tunisie catholique الصادرة في 27 أفريل1930، عدد 10.

55- اعتبرت لهذه الأسباب وظيفة معهد الآداب العربية الذي أنشأه الآباء البيض بتونس سنة 1928" غرس نقط الاستفهام الخاصة بقيمة الإسلام في نقوس المخاطبين" انظر A.Pons: La nouvelle Eglise d'Afrique المرجع المذكور، ص323.

56- من أوائل الأ‘مال التي قامت بها الحكومة التونسية بعد الاستقلال المطالبة بإزاحة تمثال الكاردينال لافيجيري من قلب العاصمة وقد تم نقله في 8 ماي1956 إلى كنيسة قرطاج ثم أبرم اتفاق بين تونس والفاتيكان سنة1964 ينص على احتفاظ الكنيسة بعد، قليل من المعابد والمعاهد المدرسية والطبية واسترجاع الدولة التونسية لبقية ممتلكات الكنيسة وتم إثره نقل جثمان لافيجيري من قرطاج إلى رومة. انظر مثلا L'écho du diocèse de Carthage الصادر في 19 جويلية 1964.

57- Lavigerie:Ecrits d'Afrique في A.Hamman المرجع المذكور، ص117.

58-Cardinal Zoungrana في تقديمه للكتاب السابق، ص2-3.

58 مكرر- ارجع إلى بعض الملاحظات الهامة في هذا المجال في تصدير محمد أركون لترجمة القرآن إلى الفرنسية:Le Coran traduit de l'arabe par Kasimirski:Comment lire le Coran ,par Mohamed Arkoun ,Paris,Garnier Flammarion,1970,pp30-31

59- ولكن يمكنة أن نطال معاصيرينا بانصاف الحق حتى لا نقرأ مثل هذا الكلام:"لا يمكننا الامتناع عن أ، نلاحظ في مرارة ما حققته الحركة القومية التونسية التي مسحت في بضع سنين العمل الذي قامت به الكتيسة الكاتوليكية في قرن ويشق هذا النطباع بالخصوص في وقت يتحدث فيه بالذات عن التثدم والتسمامح" G.Zananiri:L'Eglise et l'Islam,Paris,1969

60-انظر في هذا المجال:Georges C Anawati:Polémique,Apologieetv dialogue islamo-chrétiens,in Euntes Docete commentaria urbania,Roma,1969 ص375-451 وخاصة القسم الثاني ( Positions modernes et contemporains)

61- يقدر جاك بارك( j.Berque) أن عدد الجزائريين الذين نصرهم لافيجيري لا يبلغ الألف, انظر Le Maghreb enrte deux guerres,Paris,Seuil,1962