إيتيان بورني

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1873 - 1960م]

ولد الطبيب الفرنسي إيتيان بورني (Etienne Burnet) في مقاطعة المارن (Marne) الفرنسيّة سنة 1873، توجه في أول أمره نحو الدّراسات الأدبية واجتازها بتفوّق إذ أحرز الجائزة الأولى في التاريخ وهو في سنّ السّابعة عشرة. حصل على التبريز في الفلسفة سنة 1897، لكنّه لم يكتف بذلك وإنّما التحق بكليّة الطّب وأحرز شهادة الدكتوراه سنة 1903. قدم بعد ذلك إلى تونس لينخرط في مسار البحث العلمي التّجريبي بـمعهد باستور بتونس الذي كان من أبرز نجاحات الاستعمار الفرنسي بتونس، فتابع في البداية الدّروس التي كان يُلقيها عدد من أبرز الأطبّاء الفرنسيين كفرناند فيدال (Widal) وإيميل رو (Roux) وإيلي متشنيكوف (Metchnikoff)، كما تتلمذ على شارل نيكول (الحائز على جائزة نوبل في الطب)(1936 - 1866) الذي كان يدير معهد باستور وقتئذ.

لقد بدا بورني منذ هذه الفترة وكأنّه ربط مصيره بتونس، ولم يقطع إقامته بها إلاّ عند اندلاع الحرب العالميّة الأولى ليلتحق بالجيش الفرنسي في اليونان (1914 - 1918) دون أن يشارك في العمليات الحربيّة، إذ اتّجه اهتمامه إلى مكافحة وباء الحمّى التيفيّه وحمّى المستنقعات. عاد إلى تونس سنة 1919، فأسندت إليه إدارة الوقاية العموميّة بالبلاد التونسيّة واستمرّ في هذه المهمّة إلى سنة 1928، وكان في هذه الفترة يجرى أبحاثه حول الأوبئة والأمراض مركّزا اهتمامه على وسائل اكتشاف الحمّى المالطيّة والحمّى البثريّة المتوسّطية وكيفيّة تطوّرها، والوقاية منها. جلبت له هذه الأبحاث غير المسبوقة تقديرا كبيرا على المستوى الدولي، فَدُعيَ سنة 1928 إلى جنيف للعمل خبيرا بمنظمة الوقاية التّابعة لعصبة الأمم ثمّ عُيّن عضوا بلجنتها الفنّية وهو ما أتاح له الالمام بالأوضاع الصّحية في مختلف بلدان العالم وخاصّة ما يتّصل منها بمرض الجذام باعتباره كان يتولّى سكرتاريّة اللّجنة الخاصّة بهذا المرض في المنظمة الأمميّة.

وعند وفاة شارل نيكول سنة 1936 دُعيَ بورني إلى خلافته على رأس معهد باستور بتونس، واستمرّ في هذا المنصب إلى سنة 1943. اشتغل إيتيان بورني خلال مسيرته العلميّة بمعهد باستور على الكثير من الأمراض كالجدري والجذام والرّمد والكلب والتيفويد والخناق والزّهري والحمّى المالطيّة... لم يكن بورني مجرّد طبيب أو باحث مخبري بل كان لتكوينه الفلسفي تأثير واضح في حياته وأعماله وتصوّره للوجود، فقد كان متشبّعا بالانسانويّة (Humanisme) بما تنطوي عليه من منزع عقلاني وإعلاء للقيم الإنسانية، وهذا ما جعله يعتبر العمل المخبري بعدا من أبعاد المرض المتعدّدة، إذ كان يأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى المحيطة، وكانت له رؤية سوسيولوجيّة تجلّت من بعض كتاباته، ومن أبرزها البحث الذي نشره سنة 1939 حول الغذاء في تونس، وهو أوّل بحث ميدانيّ في الموضوع، أجراه بورني في الفترة بين 1937 و 1939 واعتمد فيه على عيّنة تتألّف من 110 عائلة من مختلف مناطق البلاد التونسية، وأورد فيه تفاصيل دقيقة عن معدّل ما يتناوله التونسيون آنذاك من حريرات، وانتهى إلى أنّ ما يفوق 56% من عيّنة البحث يعانون من سوء التغذية، وهو ما يعتبر إدانة لنظام "الحماية" الفرنسي على البلاد التونسيّة. كما خرج بورني بنتيجة مهمّة وهي أنّ ثالوث الحبوب والزّيت والخضر هي أساس الصّحة في تونس.

تميّزت كتابات بورني بتنوّعها إذ كتب في الطّب والأدب والفلسفة، ونشر أوّل كتاب له في ميدان تخصّصه سنة 1908 بعنوان "مكافحة الجراثيم" ثمّ أصدر سنة 1911 كتاب "الجراثيم والسمّين" (Microbes et Toxines) الذي قدّم له أستاذه وصديقه الطبيب متشنيكوف، والكتابان يتضمّنان ملاحظاته وتدقيقاته حول عدّة أمراض ميكروبية. وفي سنة 1912 أصدر بورني كتابا أدبيّا عنوانه "جيش الشرق 1916 - 1917" ضمّنه شيئا من مذكّراته في أثناء إقامته باليونان زمن الحرب العالمية الأولى، فيما يعدّ كتابه " دون كيشوت وسرفنتس والقرن السادس عشر" المؤلّف الذي تضمّن آراءه الفلسفيّة. ويعتبر كتابه "بعيدا عن الأيقونات" "Loin des Icones" الذي تدور أحداثه سنة 1923 بالبلاد التونسية من أشهر مؤلفاته التي تتضمن آراءه الاجتماعية ذات البعد الإنساني وهو شهادة على الوضع الاجتماعي بالبلاد التونسية في فترة ما بين الحربين.

وفي ضوء ما تقدّم، يمكن القول إنّ المشاعر الانسانيّة والرومانسية هي التي كانت وراء قدوم بورني إلى البلاد التونسية وهو في الثلاثين من عمره، لكنّ اشتغاله وإقامته بها ما يزيد عن نصف قرن جعلتها محور حياته ومدار تجاربه وأبحاثه، كما كانت تونس لديه بمنزلة الوطن الذي تعلّق به إلى آخر حياته، ناهيك أنّه لم يعد إلى فرنسا بعد استقلال البلاد التونسية، بل بقي بها حتى توفيّ سنة 1960.