مقام أبي زمعة عبيد بن الأرقم البلوي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[34هـ/654م]

مقام أبي زمعة البلوي بالقيروان

يتصل نسب عُبيد بن الأرقم البلوي بقبيلة قضاعة الحميرية القحطانية المتحدّرة عن حمير بن سبأ اليمني. ويُحيل على حيّ بَلي لذلك سمي البلوي. وتجمع كتب الأنساب والتاريخ على أن هؤلاء قد وطّنوا شمال الحجاز وعُدّوا من أعظم بطون قضاعة. فقد جاء ذكرهم في شعر النابغة الذبياني وأشاد بمكانتهم مؤرخون كبار مثل المقري وابن خلدون والمقريزي والقلقشندي وغيرهم. فقد جاء في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري: "وبنو البلوي ذوو حسب وأهل نعيم وتربية ملوكية،حياهم الله وبيّاهم". وأشاد ابن خلدون بقوتهم وكثرتهم، مبيّنا أنهم قد "انتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة، وكاثروا هناك سائر الأمم".

وتؤكد الدراسات التاريخية أن قبيلة بَلي تبوأت مكانة مرموقة في مصر على أيام البيزنطيين الذين عوّلوا عليهم في التجارة مع الهند. وقد تطوّرت تلك المكانة الاقتصادية بحيث أضيفت لها الخطط السياسية والعسكرية في عصور الاسلام الأولى من خلال إسناد إمارة بعض المناطق في مصر إلى عدد من وجوه تلك القبيلة وبطونها.

شهد أبو زمعة بيعة الرضوان تحت الشجرة وشهد إلحاق مصر بالدولة الاسلامية سنة 20 هـ/642 م. استشهد سنة 34هـ/654م خلال عمليات الانتشار الاسلامي بإفريقيّة وذلك في غزوة معاوية بن حديج وهو في عزّ المنازلة ضدّ الجيوش البيزنطيّة قرب عين جلولة الواقعة على بعد30 كم غربي مدينة القيروان. وقد دفن جثمانه في موضع القيروان قبل التأسيس. وتتفق الروايات على أنه قد احتفظ في قلنسوته يوم منى في حجة الوداع، ببعض شعيرات النبي لذلك وسمه أهل القيروان ب"صاحب الشعرات".

يعتبر مقام أبي زمعة البلوي بالقيروان من أهم المزارات الدينية بالبلاد التونسية حيث يرجع تاريخ بنائه إلى عهد حمودة باشا المرادي الذي حكم بين 1631 - 1666م وذلك في حدود سنة 1072هـ/1663م. فقد حوّط مثوى الصحابي بجدار دائري، على أن يستكمل حفيده محمد بن مراد الثاني الذي حكم بين 1675 - 1695 م بناء الزاوية سنة 1684.

يشتمل المعلم حاضرا على ثلاثة مركبات معمارية مندمجة هي:

  • الضريح وهو غرفة في أقصى الصحن المحاط بأروقة، ويضم رفات الصحابيّ الجليل تحت تابوت تعلوه قبّة منقوشة.
  • المباني الملحقة به والمخصّصة لاستقبال الضيوف.
  • المئذنة والمدرسة الدينيّة والمصلّى وحُجرات الطلبة والميضاة.

ويتمّ الدخول إلى المعلم بأكمله عبر صحن مربّع الشكل تحيط به، من ثلاث جهات، أروقة مستندة إلى دعائم. استوعبت زاوية أبي زمعة البلوي بالقيروان مختلف التيارات المعمارية والزخرفية التي عاينتها البلاد التونسية. فقد حوت مركباتها معارف تحيل على فنون المعمار البيزنطي المستعمل للحجارة النحتية، والمعمار التركي الذي أشّرت على حضوره الأعمدة والواجهات، وفنون المعمار الأندلسي المعوّل على الزخرف والنقش على الجصّ وبديع تركيب القرميد.

وتختصّ المدرسة المعماريّة القيروانية بتشبثّها بأنماطها التي بلورتها منذ أواسط القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وبالوفاء لمناهلها الشامية الأصليّة رغم مواكبتها للتيارات الزخرفيّة والمعماريّة التي ظهرت في العالم الاسلامي خلال العصر العبّاسي وخاصّة فيما يتعلّق بالقباب ذات الحنايا الركنيّة والزّخارف المتأثّرة بطراز سامراء. ويعود الفضل إلى إفريقية في المحافظة على المدرسة الأمويّة وتطويرها وإثرائها من خلال التخطيط المتعامد وإقامة القباب الملاصقة لجدار القبلة عند التقاء البلاطة المحوريّة والبلاطة الموازية لجدار القبلة، كما يتجلّى فيه نمط معمار جامعها الأكبر، وكذلك الانفراد من دون المدارس المعماريّة الاسلامية بإضافة رواق للقبلة وإقامة قبّة في وسطه . وبالجملة تبدو العمارة الأغلبية القيروانيّة منبسطة وممتدّة أفقيّا تتحاشى الارتفاع والأبّهة. كما يمكن الجزم بأن المناطق المغربيّة التي كانت مرتبطة سياسيا وتاريخيا وعقائديّا بإفريقية، قد تأثّرت بالمدرسة القيروانيّة، من ذلك منارة جامع بني حماد التي تُعتبر من طراز المنارات القيروانية. وتعلن تواؤم مختلف المدارس المعمارية المحليّة من بينها والوافدة كما تفتّقت عليه العارضة الهندسية لبُناة ضريح أبي زمعة البلوي بالقيروان عن حضور خاصيّة من خصائص الأنموذج الهندسي القيرواني الذي أثّر بشكل جليّ في العديد من المعالم المشيّدة بإفريقية وببقية حواضر مجال المغارب والأندلس.