محمد الهادي الكسوري

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1881 - 1963م]

ولد محمد الهادي الكسوري سنة 1881 بتونس العاصمة أي سنة احتلال فرنسا لتونس وكانت الولادة بالتحديد بربض باب سويقة. وبعد التحاقه بالكتّاب على الطريقة التقليديّة درس بجامع الزيتونة فأحرز على شهادة التطويع وانتسب إلى معهد الخلدونيّة حيث درس العلوم الصحيحة كالحساب والهندسة وقيس الأراضي وكذلك التاريخ والجغرافيا وأحرز فيها على شهادة من المعهد المذكور. وإلى جانب هذا درس اللغة الفرنسيّة ومبادئ اللغة التركية، وبذلك تمكّن فيه الشغف إلى الاستفادة من العلم الذي هو منطلق الحرية والانعتاق فقرّر السفر إلى تركيا كي يحقق غاياته وآماله. وكان له ذلك والتحق بإحدى الكلّيات العسكريّة ودرس علم الفيزياء والفلك. ونظرا إلى إصابته بمرض لم يتمكّن من إجراء الامتحان التطبيقي في تخصّص قيادة الطائرات وقرر العودة إلى أرض الوطن وقد امتلأ وطابه علما ومعرفة وأضحى يدرس بالمعهد الخلدوني ويلقي المحاضرات في علم الهيئة (الفلك). وفي الأثناء سمّي رئيسا لمصلحة الحساب بجمعيّة الأوقاف. ولم يكتف بالنشاط المهني بل تجاوزه إلى النشاط الاجتماعي فكان في طليعة المؤسّسين للمدرسة العرفانيّة ومن المنادين بإصلاح التعليم بالجامع الأعظم. هذا وقد كان، إضافة إلى دعمه المادي للمدرسة المذكورة، دعي في دورتها التأسيسيّة الثانية سنة 1909 إلى إعداد برنامج يؤهلّها لأن تكون من المدارس الأنموذجيّة الحديثة، وقد أصرّ على أنّ تكون اللغة العربية لغة التدريس والاعتماد.

كان من المنادين بإصلاح التعليم بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة، ونظرا إلى إلحاح هذا الهاجس عليه وإدراكه أنّ علم الحساب من أولى الأولويات التي يجب الاهتمام بها فقد ألّف فيه ثلاثة مجلدات عن أحدث الطرق البيداغوجيّة وقد كان يعتبر هذا العلم أساس العلوم جميعها ويسمّى الكتاب "معين الطلاب على تعلم الحساب". وفي سنة 1932 رغب في طبعه فراسل الوزير المفوض مدير عام الداخلية بتونس ملتمسا منه الاطلاع على فحوى الكتاب وتمكينه من نشره فقوبل طلبه بالرفض.

وألّف بعد ذلك كتابا آخر في علم كان له فضل السبق في التأليف فيه بأسلوب مبسّط وطريقة علميّة مشوّقة وهو علم الهيئة، وبذل جهدا فائقا في هذا التأليف إضافة إلى ما كان قام به هو نفسه من مراقبة لحركات الكواكب والنجوم بدقّة العارف المتمكّن من مادته عن طريق جهاز "تلسكوب" وكلّ ذلك حتى يجمع بين النظري والعملي، وضمن هذا الكتاب تفسير علمي للاية القرآنيّة الكريمة: "فَلاَ أقْسمُ بمَوَاقع النّجُوم، وإنّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيمٌ..." (سورة الواقعة - الاية 75) وكان مصير هذا الكتاب مصير الكتاب السابق إذ رفضت السلط الفرنسيّة نشره.

لقد تبوأ محمد الهادي الكسوري المكانة العلميّة المتميّزة في مجال الفكر والثقافة والعلوم حتى إنّ الباي محمد الحبيب قرّبه إليه وجعله من رجال خاصتّه. ومعلوم أنّ هذا الباي كان مياّلا إلى العلم والمعرفة، وحريصا على الاشعاع الثقافي فكلّف محمد الهادي الكسوري بمراسم الانشاء. يعتبر هذا العالم من المصلحين الذين أفادوا وطنهم وأمتهم وإن لم يسجّل له أيّ أثر مطبوع سوى ما قامت به مجلّة الخلدونيّة سنة 1931 حين أصدرت له مسامرة في علم الهيئة مشيرة إلى أنّها من كتاب له بصدد الانجاز. وله، إضافة إلى هذا وما ترك من آثار لم تطبع بعد، دراسة قيمة بعنوان "الأدب التركي" قسمها إلى أربعة أدوار:

الدور الأوّل: قبل السلطة العثمانيّة.

الدور الثاني: من عهد السلطان بايزيد الأوّل إلى السلطان عبد المجيد.

الدور الثالث: من عهد السلطان عبد المجيد إلى الانقلاب العثماني.

الدور الرابع: من الانقلاب العثماني إلى العصر الحديث.

والمتأمّل في هذه الدراسة يلاحظ سعة اطلاع محمد الهادي الكسوري على الأدب التركي ورجالاته وقد حاول في هذا البحث إبراز تطور هذا الأدب وتأثّره بتيارات متباينة شرقية وغربية. وتوفيّ محمد الهادي الكسوري في أفريل سنة 1963.