محمد المسعود الشابي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

هو محمد المسعود بن محمد بن نور بن عبد اللطيف بن أبي الكرم بن أحمد بن مخلوف الشابي. عاش بين (1562 - 1618م) وخلّف أثرا قيما حول بدايات الطريقة الشابيّة المنسوبة إلى أحمد بن مخلوف الشابي وابنه عرفة، يحمل عنوان "الفتح المنير في تعريف الطريقة الشابيّة".... وهو أثر لم يشمله أي تحقيق، ولا تتوفر منه غير نسخ قليلة محفوظة بمكتبات خاصة. وينقسم كتاب الفتح المنير إلى سبعة أبواب خاضت تباعا في التعريف بالولاية والترجمة لمؤسسي الطريقة (أحمد بن مخلوف وابنه عرفة) وورثتهما ومبنى طريقهم، وبسط القول في معنى علوم التوحيد وحقائق النفوس مع عرض ل (أورادها ووظائفها وأحزابها) ومدوّنة إنشادها الصوفي. ويشير شارل مونشكور ضمن الأبحاث التي أفردها لهذه الطريقة إلى اشتغاله على نسخة مبتورة من "الفتح" استجلبها من زاوية الشابيين بتوزر في بداية القرن الماضي تضم 280 صفحة. غير أن ما وصلنا من هذا الأثر على نقصانه يشكّل مادة ثريّة للتعرّف على الظروف التي حفت بنشأة هذه الطريقة والكيفية التي تطورت من خلالها فضلا، عن العلاقات التي ربطتها بمختلف الأطراف الفاعلة على الساحتين الاجتماعية والسياسية وذلك إلى حدود موفى القرن السادس عشر (1597م) موعد انتهاء محمد المسعود الشابي من تصنيف كتابه.

لم يعش المسعود الشابي مرحلة ألق الطريقة أيام سيطرتها على مدينة القيروان، فقد عاينت حياته تراجع تلك الامارة الطرقية وانكفاءها بالمناطق المنفّرة عند "عين النشوع بحامة الجريد". ولم يكن مساندا للأطراف الداعية إلى مواصلة الممانعة ضد الأتراك على غرار خليفة "محمد بن أبي الطيب" آخر شيوخ الشابيّة القيروانييّن "محمد زفزاف" أو شقيقه "عبد الصمد الشابي". فقد تفاعل كثيرا مع التوجهات السلمية للشيخ "بدر الدين الشابي" الداعية إلى تنقية الطريقة من جميع النوازع الدنيوية والرجوع بها إلى أصولها الزهدية. لذلك تعارضت مواقفه مع تلك التي أصرّ عليها أخوه "عبد الصمد" (ت 1618م) ، وهو ما دفعه إلى الفرار إلى تونس للاستقرار بها تحسّبا لردود فعل أخيه العنيفة خاصة بعد أن انزلق هذا الأخير في اقتراف المحظور باغتيال أخيه قاسم وثلاثة عشر فردا من أفراد أسرته لمجرد رفضهم مقاسمته نفس التوجهات المناهضة للأتراك. وهو ما اعتبره عبد الصمد الشابي تهاونا بل إيثارا للمهانة، نابزا المسعود بقوله: "خليك طويلب"، كناية عن اقتصار همته على التحصيل دون طلب الرئاسة والملك.

لم يجانب علي الشابي الصواب في اعتبار إقبال محمد المسعود الشابي على جمع أقوال مؤسسي الطرقية وشرحه لتلك الأقوال ما يذكّر بما أنجزه ابن عطاء الله السكندري في مؤلف "الحكم العطائية" بخصوص أعلام الطريقة الشاذلية. غير أن ما يتعين عدم الذهول عنه هو ما تخلّل كتاب الفتح من نوازع إسقاط مندسة بدهاء في ثنايا الخطاب، الأمر الذي يؤشر بطريقته الخاصة على المسافة الفاصلة بين توجهات الطريقة في دورها السامق، والانعكاسات السلبية التي عاشتها زمن تحرير هذا الأثر أي بعد أن مرّ أكثر من قرن عن تاريخ ظهورها.

لا يمكن تقويم خطة صاحب كتاب الفتح المنير من وجهة نظر تاريخ الذهنيات دون التدقيق في مدلول ما يُوسم بالتدين الشعبي وخاصة فيما يتصل بإشباع ذلك التديّن لحاجيات دينية فياضة اتسمت بانفلاتها الحسي المستند إلى الذوق دون المعرفة، وهو ما لم يكن التديّن في مدلوله الرسمي قادرا على توفيره. ولعل ذلك التنافس بين القراءتين القاعدية أو الشعبية وغريمتها الرسمية هو الذي أعاد تشكيل واقع الممارسة الدينية سواء خلال الفترة الوسيطة المتأخرة أو أثناء القرون الأولى من العهد الحديث. على أن ذلك التصادم أو التنافس لم ينح باتجاه الارتقاء بالمظاهر الشعبية للتدين باتجاه تقريبها من رصيفتها النخبوية، بل توجّه، واعتبارا ل "رداءة الزمان وأهله" وجهة معاكسة.

واعتبارا لجميع ما تقدم نستطيع الجزم بأن أشكال التدين الموسومة بالشعبية لم تحتج في تناقلها إلى التحصيل أو الدراسة بل غالبا ما اعتمدت على التواتر الشفوي وإحياء موروث الذاكرة الجماعية. فالمحيط الثقافي الذي نسل عنه التديّن الطرقي كما عبر عنه مؤلف الفتح المنير، عبارة عن مدوّنه تراثيّة للعادات والتقاليد المادية واللامادية شكّلت بلا ريب بؤرة لتمازج العديد من شظايا الموروثات الشاهدة على حضور شعائر وطقوس دينية سابقة للمرحلة الاسلامية أبانت على قدرة كبيرة على مغالبة فعل الزمن.