عين طنڨة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
عين طنقة

على بعد 88 كلم عن تونس، على الطريق الرئيسة كلم5، الموافقة تقريبا للطريق العتيقة، تقع طنقة (أو عين تونقة)، التي عرفت بالعين والجبل المنسوبين إلى اسمها، المحتفظ بصيغته القديمة بشيء من التحريف. كانت أوّل الأمر تجمعا نوميديا، قد يكون متأثرا بالثقافة البونية، ولم يعثر فيها على نقائش لوبية أو بونية، بل بالعكس عثر على عدد كبير من الأنصاب المهداة إلى الاله ساتورن، بلغ عددها 426 اكتشفها (M.Le Galy) سنة 1888م، بعيدا عن موقع عين طنقة بنحو 800م جنوبا، على الطريق الرئيسة تونس الكاف، ملاصقة لبقية جدار خلفي، يظنّ أنّه جزء من معبد لم يكتشف بعد. وقد أرخها مكتشفها بالقرون الثلاثة الأولى للميلاد. وتؤكد هذه النصب انتشار عبادة الاله ساتورن في عين طنقة في العهد الروماني إلى جانب آلهة أخرى ذات طابع فلاحي، ربما أقل شأنا، مثل مركور (Mercure) ومنى (Monna) غير المعروفة في أماكن أخرى، وجونون (Junon) وفينوس (Vénus) وأسكولاب (Esculape) وفرتونا (Fortuna) وسيراس (Céres). وقد اكتشف الحبيب بن حسن سنة 1988 نقيشة مهداة للالهة فستا (Vesta) النادرة عبادتها، ورأس الاله جانوس (Janus) لأول مرّة في تونس، ومعبدا للاله ديس باتر (Dis Pater)، بمعنى الثري، مجتمعا بالاله ساتورن اللاتيني القديم، لأوّل مرّة حسب نقيشة المعبد، التي اكتشفها هذا الباحث ورممها واستنتج من دراستها مبلغ التحضر الذي بلغته المدينة المترومنة منذ نهاية ق1.م، ومحافظتها حتى ذلك التاريخ على التسمية القديمة المحلية (Dis) للاله الروماني حامي المدينة، عوض التسمية البديلة (Pluton).

وبذلك نفى ما كان يظن من وجود جالية إيطالية فيها، على غرار دقة، وأنّه ليس للايطاليين فيها إلاّ الطابع الروماني، الذي ميّز الأعيان، وطابع المعمار، عندما أصبحت مستعمرة خاضعة لسلطة يوليوس قيصر بقرطاج، وخاصة عندما ارتقت إلى رتبة بلدية في عهد سبتيميوس سيفيروس (Septimius severus) حسب (J.Gascou) و (C.Lepelley)، أو في عهد سيفار الاسكندر (Sévére Alexandre)، وظلت كذلك في ق 4م.

ويدلّ على ازدهارها إلى نهاية ق 5م، مشاركة اثنين من قساوستها، أحدهما كاثوليكي (Aufidius)، والآخر منافسه الدوناتي (Lulianus)، في مؤتمر قرطاج سنة 411م. وفي ق 6م، احتلها البيزنطيون وأسّسوا فيها، في عهد جوستين الثاني (Justin II)، قلعة قرب العين ذات خمسة أبراج (trapézoïdale). ويلاحظ زائر عين طنقة اليوم بقايا معالمها القديمة، وخاصة منها الحمامات والخزانات والبازيليكا والمسرح والملعب والساحة العامة والأسوار وآثارا متناثرة حولها، اعتنى الحبيب بن حسن بوصفها، وأيضا الكثير من اللقى الأثرية، منها قطع نقدية باسم الامبراطور قسطنطين (Constantinus)، كما اكتشف نقيشة قاعدة لتمثال مهدى للأمبراطور جيتا (Geta) من رجل ينتمي إلى قبيلة كيرينا (Quirina) أوصاه أبوه بذلك احتفالا بترقية المدينة إلى رتبة بلدية.

ولا شك في أنّ الحياة الاجتماعية والاقتصاديّة قد تقلصت بعين طنقة، بعد الفتح الاسلامي وسقوط قلعتها. ولعلها انقطعت فيما بعد، إذ اقتصر من زارها على ذكر آثارها، دون الإشارة إلى من استوطن جهتها من بني هلال. وينبغي أن ننتظر النصف الثاني من ق 19م لنتأكّد من وجود أعراب حول آثار طنقة، ساندوا ثورة علي بن غذاهم، وانضمّوا، في وقت لاحق، إلى الثائر علي بن عمار، إبّان انتصاب الحماية الفرنسية. وتجاور اليوم آثار عين طنقة قرية ما انفكّت تستقطب أعراب البوادي يحملون ألقاب الشابي والوسلاتي والهمامي والماجري والعمدوني. وقرب عين طنقة بنحو كيلومترين في اتجاه عين جمّالة موقعان أثريان متجاوران حول عين أو بئر طافحة، لعلهما أطلال مستعمرتين لبعض الفلاحين الرومان.