شمتو

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مدينة شمتو

يمكن الوصول إلى شمتو (Chemtou = Simitthu) سواء عبر الطريق الواصلة بين جندوبة وغار الدماء على امتداد الضفة اليمنى لوادي مجردة بعد اجتيازه في مستوى وادي مليز، أو عبر الطريق الواصلة بين جندوبة وفرنانة في اتجاه عين دراهم عندما نغادرها بعد ستّة كيلومترات عن جندوبة سالكين على اليسار المسلك المؤدي إلى جبل حيرشر والشويشية أو فج التمر. فبعد قطع خمسة عشر كيلومترا منه نصل إلى وادي مجردة ونشاهد موقع شمتو الأثري حيث بقايا جسر ترايايونس (Trajanus) الروماني. تقع شمتو في سهل خصب تحفّ به الجبال والمرتفعات وتحميه. ولكنها غير معزولة عن مدن المنطقة إذ يمكن الوصول إلى طبرنق (Thuburnica) بعد أربعة وعشرين كيلومترا في اتجاه الشمال الغربي أو إلى بلاّريجيا (Bulla Regia) أو حمّام الدرّاجي بالرجوع إلى طريق جندوبة فرنانة في مستوى وادي بجر (Bajer) والسير في الطريق الفرعية الشمالية. وهناك آثار لطريق رومانية ربطت شمتو بسيكا فينيريا أي الكاف.

ورغم أن شمتو أحدث عهدا من بلارّ يجيا فإنّها تعود إلى زمن البربر برخامها المشهور والمتسبّب في نشأتها، وقد كانت مركزا حضريا مترومنا في عهد الامبراطور أوغوسطوس (Augustus) قبل أن ترتقي في آخر عهده إلى رتبة مستعمرة رومانية. ويدلّ ذكر اثنين من قساوستها في نصين أحدهما مؤرّخ بسنة 411م والاخر مؤرخ بسنة 646م على انتشار المسيحية بين سكانها.

مقطع الرخام بشمتو
رخام شمتو يزين قصور روما

وفي شمتو مقطع الرخام النوميدي المشهور بألوانه المختلفة وخاصة بلونه الأصفر الذي استغلّه ملوك البربر وأعيان الرومان في تزويق مبانيهم العامة وقصورهم الخاصة منذ عهد الملك النوميدي ميكيبسا (Micipsa )، إلاّ أنّ أقدم ما عرف من رخام شمتو ذلك العمود الروماني الذي أقيم في الساحة العامة (Forum) في عهد الامبراطور يوليوس قيصر (Julius Caesar) حسب ما ذكره سويتونيوس (Suetonius)وقد جدّ هدريانوس (Hadrianus) في تزيين قصوره في تيفولي (Tivoli) وأنتيوم (Antium) برخام شمتو. ووصل ذلك الرخام إلى كنيسة آيا صوفيا بإستانبول التي بناها يوستينيانوس (Justininianus). ويمكن لزائر اليوم أن يشاهد الأروقة التي كانت تقتطع منها قطع الرخام والأعمدة قبل أن تُنقل إلى الورشات للصّقل. ولكنّ استغلال مرمر شمتو توقف إبّان الزحف الوندالي ليستأنف في عهد الأباطرة البيزنطيين في ظروف اهتموا فيها بدعم الاستقرار والأمن وذلك بتشييد الكثير من القلاع في تلك النواحي مثل قلعة برج هلال التي بناها جوستينيان لحماية مشارف مجردة قبل تدفقه في السهول الشاسعة. ومع ذلك فإنّ استغلال رخام شمتو في العهد البيزنطي ظلّ دون ما كان عليه في العهد الروماني إلى أن توقف لمدة طويلة تشمل الفترة العربية المباشرة لدخول الاسلام تلك الربوع. وهكذا لم تكتشف مقاطع شمتو من جديد إلاّ بمناسبة إعداد المهندسين الفرنسيين للدراسات قصد مدّ السكة الحديدية من تونس إلى غار الدماء، إلاّ أنّ محاولات إعادة الاستغلال لمقطع الرخام بشمتو قد باءت كلها بالفشل ولم تتواصل آخر محاولة انطلقت في منتصف الستينات من ق 20م أكثر من سنتين.

كلّ هذا يدلّ على أنّ شهرة شمْتو متأتيّة أساسا من تصدير رخامها الممتاز إلى روما في العهد الروماني خاصة عبر الطريق التي تربطها بطبرقة بجسر يعبر وادي غزالة أو وادي بوهرتمة (Armascla) وبالأخص عبر وادي مجردة إلى ميناء أوتيك. وتتوزّع آثار شمتو على 80 هك في سهل فسيح يخترقه وادي الرغّاي عند مصبّه في وادي مجردة. وتنتشر البقايا الأثرية حول شمتو وهي عبارة عن جسور وطرق وضيعات فلاحية. من ذلك هنشير الداموس حيث آثار الكنيسة المسيحية الرّاجعة إلى ق4 أو 5م، وكذلك موقع عين بوحجّة حيث آثار المسرح والحمامات وقوس النصر، وموقع عين الشرشارة حيث المقبرة المسيحية، وبرج الحمّام المعروف بمائه الساخن والمتّصل بشمتو عبر الطريق العتيقة المؤدية إلى طبرقة عبر المريج وعين دراهم.

وقد كشفت الحفريات التي أجراها المعهد الوطني للتراث بالتعاون مع معهد الاثار الألماني بروما وبإشراف الباحثين مصطفى الخنّوسي وفرايدريش راكوب (F.Rakob) عن معالم مدينة شمتو وأثمرت إنجاز متحفها ودلّت على أنّها لوبيّة الأصل سبق تأسيسها في القرن الرّابع قبل الميلاد وأنّها سرعان ما علا شأنها بالمقبرة النوميدية المكتشفة تحت الساحة العمومية الرومانية وبالمعبد النوميدي المشيّد على قمّة الهضبة الجنوبية في النصف الثاني من ق 2 ق.م فضلا عن الكنيسة المسيحية. ومن أهمّ معالمها وأكثرها تميّزا الطاحونة الرومانية المنتصبة أرحاؤها الستّة حذو الجسر على وادي مجردة والمشغلّ ة بالطاقة المائية والداّ لة على أن ّ سكان شمتو في العهد الروماني كانوا يناهزون أربعة آلاف نسمة، وهو عدد يؤكّد قيمتها العمرانية والاقتصادية آنذاك. تلك الطاحونة، التي لا نظير لها إلاّ في تيشيلا أي تستور وثلاثة أرحاء فقط، تعدّ فريدة من نوعها في العالم الروماني القديم. وتجدر الإشارة إلى أنّه عثر يوم 12 ماي 1993 على كنز ذي 1647 قطعة ذهبية وواحدة فضية مذهّبة يعود إلى نهاية عهد الامبراطور هونوريوس.