تعدين الحديد في تونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

بفضل اكتشاف المعادن، ارتقى الانسان إلى مرحلة تكنولوجيا المواد. وأصبح قادرا شيئا فشيئا على توظيف موارد المحيط الذي يعيش فيه بعدما اقتصر على خدمات الحجارة على امتداد آلاف السنين. ولم يكن بالإمكان استغلال هذه المعادن واستعمالها لولا الحرارة التي توصّل إليها تدريجيا داخل الأفران، وهي التي مكّنته في العصر الحجري الحديث من تحويل الطين إلى فخّار.ولئن جاء استغلال الحديد متأخّرا بالنسبة إلى استخدام النّحاس والفضّة والذّهب فإنّ استعماله يكاد يكون اليوم في كلّ الميادين : من الأدوات اليومية إلى حاجات الطبّ مرورا بالبناء والاتصالات والنقل.ولكي يثبت لدينا أن تعدينه في بلادنا كان حلقة مهمّة من تأريخ التعدين في إطار أوسع لاسيما على الصعيد المتوسطي، نسوقه فيما يلي ضمن محطّة من المحطات التي سبقت آخر تطوير لتقنيته بوسيلة محوّل Bessemer في منتصف القرن 19. ومثلما شدّت مواد ظاهرة على سطح الأرض انتباه الانسان على امتداد العصور الحجرية، اكتشف بالمثل في فترة لاحقة ومنذ 4000 سنة تقريبا أجساما تحتوي على الحديد أصلها من الجوّ وربّما من كواكب أخرى ولتوظيفها اقتصر الانسان على عملية التطريق.

يبدو أن قبيلة Chalybes في القوقاز هي التي صهرت الحديد من خاماته لأوّل مرّة في القرن 15 ق.م وفي الفترة المتراوحة بين القرنين 19 و 8 ق.م أصبح الحديد متداولا في الشرق الأوسط، على أيدي اليونانيين والفنيقيين مرّ إلى إسبانيا والبلقان وجنوب إيطاليا. وإلى حدود القرن 14، كان الحصول على الحديد الصناعي يتحقق بعملية واحدة وهي اختزال المعدن اختزالا مباشرا بالفحم الخشبي. يكون ذلك في فرن من الطين صغير الحجم لا تفوق درجة الحرارة فيه 1300 درجة. في قاع هذا الفرن حفرة في الأرض تتلقّى الفلزّات، ونعتقد أنّ التهوئة كانت بوساطة منفاخ، يربط بينه وبين الفرن كُمَيْمٌ مصنوع من طين.تنتج هذه العملية كتلة إسفنجية متزهّرة من الحديد النقيّ فتؤخذ لتطرق وتصنع منها قضبان من الحديد المطاوع الذي يمكن تصنيعه على هيئة أشكال أكثر تعقيدا. ترجع أقدم المصنوعات المعدنية في تونس إلى عهد الفنيقيين وقد أثبتتها مواقع مدنهم الساحلية لاسيّما قرطاج وأوتيكا وكركوان وتحديدا في المدافن.

إننا نعلم أن الأثاث الجنائزي عند القدامى لاسيما عند الفنيقيين عادة ما يتركّب من فخّاريات، أما المصنوعات المعدنية فهي عنصر مُهمّ لمعرفة الأحياء : فمن الذهب والفضة صنع حلي النساء، ومن البرنز القديم صنعت أوان وأدوات، ومن الحديد صنعت سكاكين وسيوف وخناجر وأدوات قطع ونحت ورؤوس سهام ومقصّات. ولا تقلّ أهميّة حصيلة المدافن في إطارنا هذا ومنذ أواخر القرن 19 عن حصيلة الأوساط الأخرى.

أما مناجم الحديد فقد لوحظت فيها أثناء عمليّات الاستكشاف التي أجريت في أواخر القرن 19، آثار استغلال قديمة لا سيّما في منطقة نفزة بالشمال وجبال سلاطة والجريصة بالكاف. كادت مسألة تصنيع المعادن والحديد خاصّة تبقى دون تاريخ يعتمد الحفرية والمخبر لولا اكتشاف آثار ورشات قرطاج الفنيقية بمناسبة أكبر حملة حفريات جرت فيها بإشراف اليونسكو، وعلاوة على إغنائها لقائمة التقنيات القديمة عزّزت مرحلة تاريخية كانت في السابق تفتقر إلى شواهد أثرية وهي حقبة القرن 8 ق.م، إذ من الورشات التي عثر على آثارها تلك التي أقيمت على مقربة من الشاطئ. إنّ المرور من الفرن الأرضي الطيني إلى الفرن العالي حدّد زمنيا في القرن 14 ولم يُعمّم إلاّ في القرن 16. والمجتمعات التي انضوت داخل عصور المعادن لم تسهم كلها في تصنيعها، ولم يكن الاستغلال في متناول الجميع، بل هناك من ينتج وهناك من يصنّع. وتقنية المعادن لا تصدّر بسهولة نظرا إلى ما تنطوي عليه من أسرار وما يحكمها من قواعد كيميائية وقد أصبحت أوروبا مركز تطوير تصنيع الحديد بفضل الركائز الجديدة التي أقيم عليها الفرن العالي نذكر منها استعمال الوقود المعدني كالفحم الحجري خاصّة، وكذلك الطاقة المائية وينتهي المطاف بالحديد إلى محوّل Bessemer إذ ينتج أعلى نوع من الحديد وبأقلّ التكاليف.