تاريخ الحصان في تونس وخصائصه

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحصان البربري

يحتل الحصان، وخصوصا الفرس البربري، مكانة مهمّة في تاريخ إفريقيا الشمالية لأنّه أصيل هذه الجهة. وتبيّن أحدث الدراسات في هذا الصدد أنّه سليل الحصان المغولي. ولا شكّ في أنّه يشبهه في بعض سماته. والأرجح أنّه أتى إلى إفريقيا عن طريق البرّ، عبر مصر، حيث عاش منذ أقدم العصور متوحّشا. ولم يستخدم للجرّ (وربّما للركوب) إلاّ بعد مجيء الهيكسوس - وهم شعب ساميّ آسيويّ من الرعاة استولوا على مصر في القرن الثاني قبل الميلاد، أو بفضل شعوب البحر التي كانت تقيم علاقات تجاريّة مع اللوبيّين.

الحصان عند نشأة قرطاج[عدّل]

يبدو أنّ الحصان كان عند تأسيس قرطاج طالع خير، يبشّر بعظمتها ومجدها الحربيّ. وتحمل أغلب النقود القرطاجيّة صورة حصان في ظهرها، لأنّه كان رمزا دينيّا للشرق الفينيقي الذي قدم منه مؤسّسو المدينة الجديدة، كما كان حيوانا مقدّسا في ديانة جيرانهم اللوبيّين. وكان ذلك ضمانا للتوافق وحسن الجوار. وفي فترة لاحقة، اضطرّ القرطاجيّون (وهم في الأصل بحّارة وتجّار لا يميلون إلى حمل السلاح) اضطرّوا إلى تكوين جيش من المرتزقة قوامه الفرسان اللوبيّون الأشاوس.

الحصان الإفريقي والسلطة الرومانية[عدّل]

كان البدو الرحّل وسكّان الجبال في عهد أفريكا الرومانية مناهضين للسلطة الامبراطورية التي كانت واعية بصعوبة إخضاعهم في معاقلهم. ففضّلت إقامة حدود فاصلة بينها وبينهم، وأحاطتها بمراكز عسكرية. وفي الواقع، لم تحتلّ روما إلاّ حوالي النصف من أراضي شمال إفريقيا، ورغم ذلك لم تنج من هجوم البدو الرّحل الذين دخلوا معها أحيانا في مواجهة مباشرة. ودامت المعارك سجالا بين الجيش الروماني والفرسان البدو الأشاوس. ولم تكن السلم الرومانية إلاّ نسبيّة في التخوم الجنوبيّة ومنطقة السباسب لأن الجيتول كانوا يغيرون بسرعة البرق على ظهر خيولهم وسرعان ما يختفون ليعيدوا الكرّة. وهكذا كان الحصان الافريقيّ خير وسيلة لمقاومة السلطة الامبراطورية.

الحصان الإفريقي في العهد البيزنطي[عدّل]

استخدم البيزنطيون الحصان الإفريقي مثلما استخدمه الرومان. ومنذ بداية احتلالهم لشمال إفريقيا حاولوا تعزيز قواتهم بتجنيد فرسان القبائل المحلّية. فكوّنوا منهم وحدات مساعدة استعملوها فيما بعد لغزواتهم خارج إفريقيا. والغالب على الظنّ أنّ البيزنطيّين جلبوا إلى إفريقيا عددا من الخيول الأجنبيّة. لكنّ المؤكّد أنّهم احتاجوا أكثر فأكثر إلى خدمات الحصان الافريقي ابتداء من أواخر القرن السادس للميلاد، خصوصا لمجابهة المحتلّين الفرس في الشرق المتوسطي.

الفتح الاسلامي والحصان الإفريقي[عدّل]

لا شكّ في أنّ الخيول كانت منتشرة انتشارا واسعا في الجزيرة العربيّة، خلافا لما اعتقده بعض الدارسين، وأنّ تربية الجياد الأصيلة كانت رائجة في الجاهلية ثم تطوّرت بعد مجيء الإسلام. فتسنّى للمسلمين أن يفتحوا سوريا بفضل عشرة آلاف فارس وأن يهزموا البيزنطيين في الاسكندرية سنة 641 للميلاد. ولا شكّ في أنّهم أخذوا خيولهم إلى مصر، عندما توجّهوا إلى فتح بلدان المغرب، لكنّهم وجدوا في طرابلس وتونس الحاليّتين عددا كثيرا من الجياد الافريقية التي أعجبوا بها وقدّروها حقّ قدرها.

الفرس البربري في فتح الأندلس[عدّل]

من المعلوم أن طارق بن زياد اجتاز سنة 711م المضيق الذي سمّي فيها بعد جبل طارق. وفتح الأندلس في جيش من العرب والبربر أمكن له هزم الجيش الغوطي على مقربة من (ريّو برباط).وذكر ابن خلكان أنّ أغلب الفاتحين (وعددهم اثنا عشر ألفا) كانوا من الفرسان ولم تكن لديهم إلاّ 12 من الخيول العربيّة. أمّا البقية فهي خيول بربريّة.

الخيول البربرية في الفترة المعاصرة[عدّل]

لمّا غزت الجيوش الاستعمارية الفرنسيّة شمال إفريقيا، وعلى وجه التدقيق منذ سنة 1830 في حملتها على الجزائر، تمّ إدراك أهمّية الفرس البربري في المجال الحربيّ. وتأسّس أوّل كتاب لأنساب الخيل في الجزائر سنة 1886 وفي تونس سنة 1896 وفي المغرب الأقصى سنة 1914. ولقد أتيحت حاليّا في بلدان شمال إفريقيا، موطن هذه الخيول الأصلي، وسائل وطرائق لتربية عصريّة تخضع للمراقبة وتحظى بالتشجيع: فقد اتخذت للخيول البربريّة مرابط وحرائس. وانتخبت منها فحول للأنسال. وأجريت رقابة على النزاء والنتاج. وخصّصت إعانات وجوائز. ونظّمت مسابقات وغيرها.وبفضل هذه الاجراءات ثبتت سلالة الفرس البربري أكثر فأكثر. وتحسّن نموذجها تحسّنا ملحوظا.

بعض خصائص الفرس البربري[عدّل]

تعدّ نسب الفرس البربرية متوسّطة وسماتها الجانبيّة محدّبة، قليلة التقويس، ويكون لون ثوبها في الغالب أشهب أ وكميتا أو أشقر. أمّا شعر أعناقها وأذنابها فهو غزير كثّ. ويبلغ قدّها معدّل 1.55 مترا ما بين العنق والصهوة. ويكون طولها مساويا تقريبا لقاماتها. فهي إذن خيول مربّعة، كما تبلغ الأذرع والسيقان 18 صم على أقلّ تقدير. وتمتاز هذه الخيل عموما بعظم هاماتها وقصر آذانها وارتفاع صدورها وقوّة عضلات أعجازها وانخفاض عراقيبها ودقّة قوائمها وصغرها. ولقد اشتهر الحصان البربريّ بخفّة حركته ورشاقته الفطرية وسهولة انقياده وقوّته ومقاومته. وهو قنوع في أكله وشربه، يحتمل شدّة الحرّ والقرّ ولا يتطلّب عناية مفرطة. وهو إلى ذلك قادر على التكيّف مع الأراضي الوعرة والصخريّة، ويتميّز بهدوئه وثبات قوائمه. ولئن كان قليل التفوّق في حلبات السباق لأنّ السرعة من خصائص الحصان الانقليزي الأصيل فهو صبور، يستطيع منافسة الجواد العربي في هذا المجال. ولقد ورث عن أسلافه المغوليّين الأوائل تنوّعا فريدا في ألوان ثوبه. أمّا سيره فهو متعجّل. ولذلك تراه يرفع معا قائمتيه اللتين من جهة واحدة. ويمتاز الحصان البربري على سائر السلالات الأخرى بذكائه الوقّاد، إذ يفهم بسرعة فائقة ما يراد منه أن يتعلّم، كما يمتاز بتعلّقه الشديد بفارسه إذا كان يرعاه ويلاطفه ولا يعنّفه. لذا يبدو طيّبا بل طيّبا للغاية. وسعيا إلى تحسين خصائص الفرس البربري وتوسيع مجالات استخدامه، يلجأ إلى التزاوج بين الفرسين العربي والبربري. فيكون النتاج حصانا قويّا، قنوعا في أكله وشربه، جيّد التكيّف مع تقلّبات الظروف المناخية. فيستجيب بذلك لحاجات الريفيّين ومتطلّبات الفروسيّة (الحواجز، الترويض، التجلّد، السباق). وفي الواقع، يمكن استخدام هذا الحصان العربي البربري المهجّن في جميع المجالات، بحكم كونه يبلغ مستوى عاليا من الجودة تبعا لارتفاع النسبة المئوية من الدم العربيّ في أصوله.وتمتاز هذه الخيول المهجّنة بسماتها الجانبيّة المستقيمة وبحدّة بصرها وقصر ظهرها وتراوح وتيرة سيرها بين خطو الحصان البربري والحصان العربي.

وفي أقصى الشمال التونسي، يوجد نوع من الخيول الصغيرة القدّ (poney) ينسب إلى جهة المقعد موطنها الأصلي. وتنتشر أيضا في جهتي عمدون ونفزة. ولقد انخفض عددها منذ الحرب العالمية الثانية بعد تكاثر الحرث الآليّ في الجهات الغابيّة بالشمال الغربي التونسي. وتمتاز خيول المقعد بخفّتها ورشاقتها، خاصّة في الجبال والغابات حيث تقيم عادة، ويمكنها العيش متوحّشة دون تدخّل الانسان. وكانت غالبا ما تستخدم في نقل الفلّين والدباغ. ويقدّر عدد الخيول في تونس بحوالي 225.000 رأس، منها 31.500 بربريّة ومهجّنة عربيّة وبربريّة، و3000 عربيّة أصيلة و1500 إنقليزيّة أصيلة وحوالي 1000 من خيل المقعد. ويشتغل في قطاع الخيول مائة ألف شخص تقريبا، على نحو مباشرة أو غير مباشر.

وما زالت الخيول تستخدم للجرّ وفي الأشغال الفلاحيّة، رغم انتشار الآلات بأنواعها، كما تستخدم في الحفلات والتظاهرات الفلكلوريّة ومهرجانات الفروسيّة وعند البدو بمناسبة حفلاتهم وأعراسهم. وتوجد في قصر السعيد والمنستير حلبتان تنظّم فيهما مباريات سباق الخيول العربيّة والانقليزية الأصيلة، كما تنظّم مباريات جهويّة تتسابق فيها الخيول البربرية والعربيّةالبربريّة المهجّنة.