العرف والتجديد في الشعائر الدينية في العهد الحفصي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

يتكيف أداء الشعائر والطقوس بحسب واقع المجتمعات، وطبقا لنظم عاداتها وأنماط حياتها وبيئات معاشها. وقد نظر علماء أصول الفقه إلى مصدر من مصادر التشريع الاسلامي اصطلحوا عليه باسم "العرف" وهو أن يقبل المشرّع العمل بما ليس فيه نصّ مسبّق شريطة أن يوافق روحه العامّة، أو أن يراعي عند وضع الأحكام طبيعة "العرف" الذي دأب على التعاطي معه الأفراد والجماعات. انطلاقا من هذا المبدإ عرفت الشعائر الدينية في تونس تكيّفا خاصا عند أدائها بحسب حياة المجتمع وطبيعة السلطة السياسية وذلك على الأخص في أثناء الفترة الحفصية (ق 13م. و14م. و15م.) وهذه أبرز مظاهر هذا التكيّف وتجلّياته، وقد عرف الامام ابن عرفة بواقعيّته وباعترافه بالكثير ممّا كان يمارس في افريقية حسب العرف الجاري، كما اعترف بظاهرة التصوف الشعبي بعد أن كان يعتبرها أمرا منكرا.

ففي ما يخصّ السجادة المعتمدة في الصلاة فالعادة الجاري بها العمل فرش الأرضية بالحصر وبها كذلك تغطى أسفل الجدران والأعمدة. وكان يعتبر من قبل "المكروه" أي تزيين وزركشة فاخرة بالذهب والفضة والثريات ذلك أنّ العبادة تقوم على التقشف وإيثار طاعة الله، وحتى لا يصرف نظر المصلين وتنساق أنظارهم وأذهانهم في تملّي الزينة الموجودة في الجوامع والمساجد. وابتداء من القرن الثامن للهجرة (الرابع عشر الميلادي) لم يعارض الإمام ابن عرفة (ت803هـ/1401م) حسبما ما رواه تلميذه البرزلي (ت841هـ/1438م) تجديد الزينة وتعهدها بالصيانة والزخرفة، كما كان للإمام ابن عرفة اجتهاد في "تخفيف الصلاة" عند نزول المطر مراعاة لوضع المصلين الموجودين في صحن الجامع، إلاّ أنّه لم يقبل كغيره من أيمة الفقه الجمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء للغرض نفسه. ولم يكن عند المناداة للصلاة اعتماد عبارة "الصلاة حضرت" فقد كان الاقتصار على العبارات التالية "تأهبوا للصلاة، أعزموا إلى الصلاة". وفي الفترة الحفصية ظهرت عبارة "الصلاة حضرت"، وإن عارضها بعض الأئمة فإن ابن عرفة أقرّها باعتبارها "بدعة مستحسنة"، وأحيانا يردد ذلك أحد المبعوثين في الأسواق.

وقد كان السلطان الحفصي يحضر عادة صلاة الجمعة بجامع القصبة، دون أن يتولى الإمامة، وكان يقصد الجامع مترجّلا. وكان دور السلطان الحفصي بارزا في الاحتفال بالعيدين عيد الفطر وعيد الأضحى، إذ يتحوّل في موكب فخم إلى المكان الخاص الذي تقام به صلاة العيد خارج المدينة ويسمّى "المصلّى"، فيخرج من القصبة على ظهر جواده ويعبر باب منارة على رأس ركب عسكري وسط هتاف جماهيري. وفي يوم عيد الأضحى كان يتولى بنفسه ذبح الخروف الذي يكون قد اشتراه منذ يوم بنيّة عيد الأضحى. وكانت تفد على المصلّى أفواج من سكان المدينة والأرياف يرتدون أجمل ثيابهم، وكما يذكر ابن بطوطة فإن السلطان "يخرج إلى صلاة العيدين من طريق ويعود من آخر" وذلك حسب التعاليم السنية. وفي عشية يوم عيد الأضحى لسنة 874هـ/1470م - مثلا اجتمع عدد كبير من الفرسان التابعين للجيش الحفصي أمام ساحة القصبة وهم يتبارزون من باب الرياضة بالرماح، برقّة ومهارة، تعبيرا عن البهجة والفرح بهذا العيد. ومن الأعياد الأخرى التي كان يتمّ الاحتفال بها في موكب بهيج عيد العاشر من محرّم أو "عاشوراء" حين ظهرت طقوس عديدة بتلك المناسبة منها ذبح الدجاج، ودفع الزكاة دون اعتبار للأجل الشرعي ووضع الكحل بالعينين. ويرجح بعض المؤرّخين أنّه نظمت خلال عصر الاسلام الكلاسيكي ألعاب بهلوانية ونارية جسدت مأساة كربلاء، ويبدو أنّ ظهور ذلك يعود أساسا إلى الفترة الفاطمية الشيعيّة (القرن الثالث والرابع للهجرة).

كما تمّت المحافظة في الفترة الحفصية على سنّة أو عادة إحياء أيام معيّنة في السنة ترتبط على الأخص بسيرة الرسول محمد وغزواته مثل الاحتفال بليلة النصف من شهر شعبان على غرار الأمراء الأغالبة الذين كانوا يزورون الجامع الأعظم بالقيروان بتلك المناسبة ويوزّعون الصدقات على الفقراء. ومن العادات الاحتفالية الدينية التي تبلورت في الفترة الحفصية عادة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي أصبح ذا تقاليد معيّنة منذ القرن السابع للهجرة (الثالث عشر ميلادي). ومثلما ذكر المؤرخ الفرنسي روبار برنشفيك ظهرت محاولة أولى لتقليد "العادة المغربية" في البلاط الحفصي، في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر، وكانت تتمثّل في تنظيم حفل موسيقي في القصر السلطاني لكنها أثارت معارضة صريحة من قبل الفقهاء، فقرّر العدول عن ذلك واكتفى بتوزيع الصدقات عوضا عن إقامة ذلك الاحتفال.

ولم يُقرّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف رسميا إلاّ في نهاية القرن الرابع عشر أو بداية القرن الخامس عشر ميلادياًّ، وكان ذلك في عهد السلطان أبي فارس عبد العزيز الذي عرف بسعيه إلى بناء الزوايا وتشييد مقامات الأولياء وموالاة الأفكار والقيم الصوفية. وكانت الرباطات والزوايا الصوفية أوّل ما ثبّت سنّة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأقرّها، إذ يتوافق ذلك مع محبّة الصوفية الكبرى للنبي محمد باعتباره المدد والسند في معرفة الله ونيل مرضاته، وهم يشترطون الاكثار من الصلاة عليه. واعتبارا من فترة حكم السلطان أبي فارس عبد العزيز (837هـ/1433م) أصبحت معالم الزينة والتنوير وإنشاد القصائد الدينية والموشحات الصوفية من الأركان الثابتة في ذكرى المولد النبوي الشريف رغم معارضة المتشددين، والمتشبثين بالفهم الحرفي للنصوص الدينية.

وقد تركّز في الفترة الحفصيّة الاحتفال بأوّل يوم في أوسو، وهو الاحتفال الذي تهتمّ به الأوساط الرّيفية وذلك لعلاقته بدورات الخصوبة والنّماء. وتصاحب هذا الاحتفال طقوس كثيرة مختلفة، خاصّة إذا نزلت الأمطار في شهر أوسّو الذي يتوسّط شهري جويلية وأوت. كذلك ظهرت احتفالات بأول شهر أفريل وأوّل شهر ماي، وتركزت في الفترة الحفصية صلاة الاستسقاء بكامل طقوسها، منها قلب البرنس من قبل الإمام، وبقيّة المصلين، غير أنّ طقس قلب البرنس لم يكن متبعا في المذهب الحنفي. وكان الاهتمام بالغا بشهر رمضان وبرؤية الهلال إذ كان يتجمّع الناس إلى حدّ الازدحام في الجناح الشمالي للجامع الأعظم (جامع الزيتونة) تحت المئذنة لرؤية الهلال حتى صار ذلك الجناح يسمّى بجناح الهلال. واستعملت مضخّمات الصوت للإعلان عن وقت الإمساك وربما الافطار، وهو قد عوّض ذلك في العهد التركي بالمدفع. وتوازيا مع السهرات الليلية والاحتفالات الفنية التي تقام بمناسبة هذا الشهر كانت مجالس العبادة والذكر بالمساجد والزوايا كثيرة، مع الاعتكاف طوال ذاك الشهر أو في العشر الأواخر منه للعبادة، وفي ذلك أقوال وأسانيد كثيرة. وكانت تجري في المدارس والمعاهد الدينية مواكب خاصة بختم تلاوة القرآن أو الحديث النبوي الشريف. وترى بعض الاجتهادات الدينية أنّ ختم القرآن ينبغي أن يجري في الوقت نفسه الذي تقام فيه صلاة التراويح إثر صلاة العشاء. وقد استنكر الامام ابن عرفة على إمام جامع التوفيق مخالفته لتلك القاعدة وتنظيم موكب الختم قبل صلاة العشاء.

وفي القرن الخامس عشر الميلادي كان ينتظم موكب ختم صحيح البخاري بمحضر السلطان الحفصي، وكانت العادة الجاري بها العمل تقتضي أن يختم الحفل قاضي الأنكحة ببعض الابتهالات. وفي السياق ذاته ظهرت مواكب ختم الحديث النبوي الشريف بعد صلاة العصر التي قيل إنّ الناس كانوا يتوافدون عليها في القرن السابع عشر، وقد استمرّ اعتناء التونسيين إلى يومنا هذا بختم الحديث النبوي في شهر رمضان. وتجاوبا مع هذه السنّة كان بعض الأثرياء يمنحون عن طريق الوقف أو الوصيّة جرايات دائمة لفائدة القرّاء المكلفين بتلاوة القرآن جماعات أو فرادى. من ذلك أنّ السلطان أبا فارس عبد العزيز المعتبر "مجدّد زمانه" أحدث عادة قراءة "صحيح" البخاري في كلّ يوم بعد صلاة الظهر بجامع الزيتونة وقراءة كتاب الشفاء بحقوق المصطفى للقاضي عياض، وأوقف على ذلك وقفا. ولم يطعن فقهاء السنّة في تلك العادة، غير أنهم انتقدوا قراءة القرآن بجامع الزيتونة لما فيها من ميل إلى "التّغني" وهو ما يتنافى مع قواعد التلاوة التي تقوم على الصرامة والخشوع وإتقان نطق الحروف والتحكم في مخارجها.