ســـاعـة تـستـور الأنـدلسيّــة معكوسة الدوران تـستفـيق ....... تـدور

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

أليس من سخرية القدر أن تدور عقارب الساعة الأندلسيّة المشرفة من أعلى صومعة الجامع الكبير بتستور في اتّجاه الوقت المعكوس؟ قد يكون الأندلسيون الذين استقرّوا بالبلاد التونسية، أرادوا بهاته الساعة ذات "الدوران المعكوس" التعبير عن رغبتهم الشّديدة في العودة إلى زمن مضى من تاريخهم الأندلسي المجيد؟ وهذه تعدّ خاصّية نادرة في العالم والوحيدة في العالم الإسلامي فوق مئذنـة. إذ أنّ الأرقام كلّها، تتّجه نحو وسط ميناء. هكذا كانت الساعات مصمّمة في تلـك الحقبة من الزمن. تُعرف مدينة تستـور بجامعها الكبير الذي بناه قبل سنة 1631م محمد تغارينو أو الثغري الأندلسي، أصيل أراغون وربّما قشتالة. وأضيف إليها صحن صغير من جهة بطحاء السوق بعد قرن أي سنة 1730م ومزولة بعد 31 سنة أي 1761م. تنتصب المزولة الشمسيّة القديمة وسط صحن الجامع، وهي عبارة عن لوحة من الرّخام منقوشة بتوقيع أحمد الحرّار بتاريخ 1761. هاته المزولة دقيقة إلى حدّ كبير، ومدرّجة ولا تتجاوز إمكانيّـة الخطإ لديها الأربع دقائق.

صحن الجامع الكبير بتستور

تحتلّ مئذنة جامع تستـور الزاوية الشماليّة الشرقيّة للصحن وتتكوّن من برجين يعلو أحدهما الآخر. فالبرج السفلي مربع الشكل شيّد على طريقة البناية المتعامل بها في مدينة طليْطلة وقد شيّد حسب أسلوب البناء في المذهب المالكي في تونس. بينما أخذ البرج العلوي شكلا مثمنا وتـوّج بسطح مصنوع من الخشب على شكل فانوس أو هرم. وعلى عكس البرج السفلي الذي يعـدّ بسيطا، فإنّ البرج الأعلى مثمّن الأبعاد ومزخرف بغلاف فاخـر من الخزف المطلي. وتتخلّله نوافذ مزدوجة في الطابق العلوي. وتحت أحد نوافذ المئذنة نقش ميناء الساعة (cadran) بأرقام عربيّة من واحد إلى اثنتي عشر. غير أنّ عقارب الساعة الميكانيكيّة كانت مبرمجة لدوران عكسي.

الساعة الشمسية أو المزولة

ولا تعد تستـور المدينة الوحيدة التي تدور عقارب ساعتها بطريقة عكسيّة. فبعض مباني قديمة، في بعض أنحاء العالم، والمصنّفة ضمن التراث الوطني٬ مجهّزة بساعات ميكانيكيّة حُظيت بالصّيانة والتأهيل والتجديد بصفة منتظمة٬ ممّا جعلها تحافظ على عمليّة سيرها. وفعلا٬ توجد٬ إلى الآن٬ بضع السّاعات التي تدور عكسيّا. يمكننا ذكر ثلاث منها على سبيل المثال: الأولى توجد بمدينة فلورانس بإيطاليا (1443م) والثّانية بمدينة مونستر بألمانيا (1540م) والثّالثة بمدينة براغ بتشيكيا (1764م). قد وقع، تفكيك عـقارب ساعة تستور الميكانيكيّة منذ زمن بعيد، وقبل فقدان آلية الساعة ببعض قرون. ثمّ، إنّه لمِن الطّبيعي جدّا، وفي صورة انعدام الصّيانة والترميم، أن تهترئ وتتفكّـك العقارب الخشبية للسّاعة بعد عقد أو عقدين، خاصة أنّ الوصول إلى مكان هاته العقارب لا يعد أمرا سهلا. وإنّه، لمن السّهل، ملاحظة وجود ثقبٍ قديم، وسط إطار أو ميناء الساعة (cadran)، والذي كان قد هُيّئ لتمرير محور عقارب الساعة. يقول الدكتور المختار بن إسماعيل، أصيل بلدة تستور: بالبحث عن أصوله الأندلسيّـة توصّل الحفيد عـبد الحليم الكوندي إلى مسح الغبار عن قبر جدّه الشيخ علي الكونـدي (الثاني عشر بالتعداد العكسي) وترميمه، المتوفى بتستـور سنة 1708 وأن يعـيد للذاكرة منصبه الديني والثقافي. كما أبت نزعته تلك، إلا إعادة الحياة للساعة المغمى عليها بفعل التهاون والنسيان وهي التي تمثل أدقّ بصمة خلّفها الحذق الفني والمعماري الأندلسي وأروع شاهد على تشبث المورسكيين بماضيهم المجيد زمنا ومكانا، وبالأمل في العودة إلى جنتهم المسلوبة، فنحتوا تعلّقهم ذاك بأرقام عربية غريبة التناسق يوحي بدوران عجيب من اليمين إلى اليسار لعقاربها المفقودة وقلبها المحرّك. إنها لفـرصة سعيدة لترميم قبر الجدّ الأندلسي وإرجاع الحياة للساعة الفريدة. توازيا مع أشغال تهيئة قبر جـدّه قـد أمكن للمهندس عبد الحليم الكوندي، من خلال زياراته المتعدّدة لداخل مئذنة الجامع، أن يلاحظ ويستنتج أنّ دولاب الساعة الميكانيكيّة أثـبت داخل خزانة مدمجة في جدار الصومعة المعدّة لهذا الغرض والتي تقع مباشرة خلف ميناء الساعة (cadran)، داخل المئذنة. يجدر بنا التذكير حسب قول شهـود عيان بتستور، بأنّ المحرّك الميكانيكي الأصلي الذي صُنع من مزيج من النّحاس والزنك (Laiton)، لساعة تستـور، قد فُقِد نهائيا وذلك منذ سنة 1945 وأنّ الدولاب أو الخزانة حاليا، شاغر.  لم يفكّر أحد مِن سكّـان تستـور وخارجـهـا، في هذه التُحفة المُشْرِفة من أعلى الصوْمعة على البطحاء. كان الخيال يسرح بهم من دون توقيت غير أذان العصر والمغرب والعشاء في حين أنّ الساعة التاريخيّة تكاد تتوسّل إليهم لو نطقت لإنقاذها حتّى تحدّد أوقاتهم بدقّة الدقائق.

الساعة الأندلسة مجردة من عقاربها

يقول أحمد الحمروني المؤرخ التستوري أنّ "العرق دسّاس" ومعناه أنّه لا بدّ من شيء ينتقل بالوراثة فإن لم يظهر في الأولاد يظهر في الأحفاد ولو بعد أجيال. والمهندس والخبير الدولي عبد الحليم الكـوندي، ورث شيئا ثمينا عنْ أجدداه ورث منظومة خصال منها التحدّي والمغامرة والثقافة العلميّة والعمليّة مع حسن التخطيط ودقّة التوقيت. عرف بلقبه الأندلسي ذي الصيغة الموريسكـيّة الإسبانيّة(El Condé)ومعناه باللغة الفرنسيّة (Le Comte)أو السيّد الشريف. وعرفنا منهم الإمام الرحّالة علي الكونـدي جدّه وهي ثلاثة قرون أصبح اليوم بإمكان ساعة صومعة الجامع الكبير بتستـور أن تسترجعها بالدوران في نفس الاتجاه العكسي.

يحسب البعض أنّ المهندس عبد الحليم الكونـدي، هذا الحفيد، ما كان ليعيرها اهتماما لو ألف الجلوس في المقهى مثلنا بالوراثة، أيضا عن أسلافنا، وحتّى لو تخصّص في التاريخ والآثار لنظر إليها نظرة جامدة محافظة عليها كما هي مثل سائر المعالم. ولم تكن هذه العقليّة يسيرة التغيير عليه في مواجهة السلطة الأثريّة. كما لم تكن العمليّة في حدّ ذاتها يسيرة التخطيط والتمويل والتنفيذ. ولكنّ ذلك المورّث المحفوظ في الصبغيّات كان أقوى من جميع التحدّيات وأنواع الإشكالات.

صورة الساعة بعد ترميمها

هاهي أخيرا ساعة تستـور الأندلسيّة تستعيد الوقت بعد سُبات دام ثلاثة قرون كسُبات أهل الكهف وتحدّد الساعة والدقيقة بدقّة يعجز عنها حكّام البلاد من البايات إلى الرؤساء. هاهي تعود إليها الروح وتُبعث مثل "السبعة رقود" كأنّها ثامنتهم لتدور مثلما كانت تدور، في الاتجاه ألمعاكس الاتجاه ألأصلي الاتجاه الصحيح. أنّه ا فعلا معجزة!

كما أشـار أحمد الحمروني في مقدّمته للكتاب الذي دوّنه عبد الحليم الكوندي و سمّاه " سـاعـة تستـور الأندلسيّــة ..... تـدور" أنّه قد حقق هذا المهندس، سليل الأسياد النّبلاء حلم الأجيال مصيبا ثلاثة أهداف بجهد واحدٍ وكبير وفي وقت واحد وقصير. بحث عن مثوى جدّه الأعلى وأنقذه بالترميم والإبراز من الاندثار والنسيان. والتفت بالمناسبة إلى الجامع الذي كان جدّه المرحوم علي الكوندي إماما خطيبا فيه وأحْيا ساعته الجميلة كمن التزم بوصيّة أو نفّـذ رؤيا. وأحيا تبعا لإحياء القبر والساعة اللقب العائليّ الذي اندثر أو كاد مع ألقاب أخرى. ودوّن كلّ ذلك في كتاب أنْفق عليْه في أكثر من طبْعة ولغة مؤدّيا به واجبا خاصّا متعلّقا بالجدّ الإمام وواجبا عامّا متعلّقا ببيت أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه كلّما أذنت ساعـتُهُ.

عبد الحليم الكوندي

ببليوغرافيا[عدّل]

•عبد الحليم الكـوندي: ساعة تستور الأندلسيّـة......تـدور جويلية 2016 - ((ISBN:978.9938.14.695.0 – تونس

•عبد الحليم الكـوندي: l’horloge andalouse s’est réveillée après trois siècles (ISBN : 978.620.2.2821.1) mars 2018 و المنشور بأوروبة : www.editions-ue.com - Editions Universitaires Européennes)

•أحمد الحمروني: تقـديم الكتاب ساعة تستور الأندلسيّـة......تـدور لعبد الحليم الكوندي جويلية 2016 -تونس

•المختار بن إسماعـيل: تصديـر الكتاب ساعة تستور الأندلسيّـة......تـدور لعبد الحليم الكوندي جويلية 2016 -تونس