كسيلة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[القرن الأوّل هـ/السابع م]

كسيلة بن لمْزَم أو كَسيلَة، سار على آثار مسينيسا ويوغرطة، أحد قادة البربر من أجل استقلالهم. من المؤكد أنّ كسيلة كان، سنة 55هـ/674م، حين قدم المولى أبو المهاجر دينار من مصر لتعويض عقبة بن نافع، حاكما على ولاية المغرب التي غزيت حديثا، ملك الأوْرَبة، وهو حلف واسع لقبائل البرانس التي كان أغلبها حضرا. وكان لأرض أوْربة آنذاك مركز هو جهة تلمسان، بوماريا (Pomaria) القديمة، وكان يمتدّ من غرب الأوراس إلى وليلة (Volubilis) إلى شمال فاس. ولنذكّر بأنّ إدريس الأوّل قد رفعه إلى حكم أوربة ووليلة. ولا ريب في أنّه حين تمّ الفتح، كان هؤلاء قد مُسّحُوا على نحو واسع. وفعلا، فإنّ عاصمتهم تلمسان قد حافظت، حسب شهادة البكري، إلى القرن الخامس هـ/الحادي عشر م، مع ملامح حضارتها العتيقة، على سكّان كثيرين من المسيحيّين. وفي تلمسان، اصطدم أبو المهاجر بكسلية. وعرف الحكم الجديد الذي عوّض سياسة القوّة بسياسة المصالحة، كيف يجد حليفا في ملك الأوْربة. واعتنق كُسيلة الاسلام، واستقرّ من ذلك الحين مع أبي المهاجر في تكروان، معوّضة العاصمة التي أسّسها عقبة بن نافع، والتي يشير اسمها، بسابقته، إلى برنامج كامل للحلف العربي البربري. وانجرّ عن موت معاوية مؤسّس الدولة الأموية تغيير في السياسة. فسلك عقبة، سنة 62هـ/681م، من جديد طريق إفريقية. ولم يكن يحلم إلاّ بالثأر والجهاد الكبير. وفي عهده، عادت سياسة إخضاع البربر بالقوّة، بأعنف ممّا كانت عليه. وكان أوّل أعماله أن ألقى بأبي المهاجر في الأغلال، وسجن كُسَيلة، وأعاد إلى العاصمة، اسمها القديم والمكان الذي اختاره لها في بداية الفتوحات في فترة حكمه الأولى. وشرع يجرّ في إثره أبا المهاجر وكُسيلة، في زحفه الكبير الذي سيوصله إلى المحيط الأطلسي. وفي الطريق، وعلى الرغم من تحذير أبي المهاجر، تفنّن في إهانة "الملك" البربري. ونعلم المشهد الأنموذجي الذي وصفته كل ّ المصادر، حين يجعل عقبة كسَيْلة، للامعان في إهانته، يسلخ كبشا في حضرته. وفي مرحلة أولى، يبدو أنّ الحملة الخاطفة التي قادها على نحو غير متوقّع للغاية، بما أنّها عقبت سياسة سلفه في السلم والمصالحة، قد استفادت من عامل المفاجأة، وهو ما يفسّر على الأقل انتصاراته الأولى الخاطفة. لكن سرعان ما نظّمت المقاومة. وبالفعل، فإنّ عقبة لم ينتزع أي حصن كبير. وتحالف البرانس، أكثر البربر رَوْمَنَة، مع البيزنطيّين. واتّصل الأوْربة سرّا بزعيمهم كسيلة. وفرّ كُسَيْلة، من عقبة، وتزعّم المقاومة. فهل وثق عقبة إلى حدّ مفرط في انتصاراته، مثلما تؤكّد جميع المصادر، حين أعاد أكثر قواته إلى القيروان، ولم يحتفظ معه إلاّ بعدد قليل من الرجال يبلغ ثلاثمائة فارس، حسب ما يروى؟ أم هل كان من اللاّزم إنجاد العاصمة بسرعة وقد هدّدها البيزنطيّون؟ أم هل الأمر يتعلّق بتصرّف غير منضبط من الجنود المرهقين بعد حملة طويلة شاقة؟ ومهما كان الأمر، فقد وجد عقبة نفسه جنوبي بسكرة، بتهودا (تايوديوس Thaudeos) في مواجهة كسيلة وكان على رأس جيوش عتيدة من البرانس والبيزنطيّين، ولقي بها مع جميع رجاله، ومن ضمنهم أبو المهاجر، الميتة الملحمية العظيمة التي كان يحلم بها، والتي جعلت أسطورته تخلّد. وقد شيّد ضريح على موقع المعركة، وهو ضريح سيدي عقبة الذي تحوّل إلى محجّ مازال إلى اليوم مقدسا. وإثر ذلك عمّ الفزع مدينة القيروان، وهو ما يدلّ على أهميّة انتصار كسيلة، وخاصّة على كثرة قواته. وتغلّبت في نهاية الأمر، فكرة التخليّ عن البلاد، وهي فكرة دافع عنها حنش الصنعاني ضدّ فكرة المقاومة لزهير بن قيس البلوي. فانسحب الجيش إذن. لكنّ القيروان لم تفقد كل سكّانها العرب والمسلمين، إذ لم تعد بعد مجرّد معسكر للجيش، وهذا الحدث يستحقّ الملاحظة. ومن سنة 64 إلى 69هـ/683 - 688م، أصبحت عاصمة مملكة بربرية واسعة، يحكمها كسيلة. ويلاحظ ابن عذاري (البيان، ج. 1, 31) قائلا: "أمّن كسيلة من بقي بالقيروان من المسلمين، وأقام بالقيروان أميرا على سائر إفريقية والمغرب، وعلى من فيه من المسلمين". فلا كراهية للأجنبي إذن، ولا اضطهاد، ولا تعصّب دينيّ. ولنلح على هذا الحدث الذي نقله شهود لم يكن لهم أي سبب للرفق بخصومهم. فقد أكّدوا لنا أنّ كسيلة نفسه حرص على ألاّ يرتد بعد انتصاره. ومن البديهي أنّ هذه الاجراءات تنم عن برنامج سياسي كامل يهدف، بلا شكّ، إلى أنّ ينتزع من العرب كلّ تعلّة دينية لغزو المغرب من جديد. لكنّ موجة الغزوات لم تكن بعد قد توقّفت. فلما هدأت الأزمة التي اندلعت في المشرق بثورة ابن الزبير، اتجه زهير بن قيس البلوي من جديد مع جيش قوي إلى إفريقية. واختار كُسَيْلة، الذي لم يكن واثقا من مؤخرته بالقيروان، أن ينتظر خصمه في ممّس، على بعد 50 كلم غربي العاصمة، أي في منطقة يمكن للجبل أن يكون ملجأ في حالة الهزيمة. لكنّ المعركة انتهت بقتله وهزيمة جيشه، وعلى الرغم من أنّ زهيرا كان منتصرا، فقد فضّل أنّ يغادر البلاد من جديد، حتّى لا ينهار أمام ملاذّ الدّنيا، حسب ما قيل. وذهب ليلقى حتفه، وهو في طريق العودة، ببرقة حيث هجم البيزنطيّون من البحر. فهل كان الأمر عملية مدبّرة تهدف إلى الايقاع بالعرب في الفخّ الافريقي؟ وهي عملية لم تنجح لأنّها كانت سيئة التنسيق فلو نجحت محاولة كُسَيْلة لتكوين إمبراطورية كبرى تُحكم من المدينة التي أسّسها عقبة بن نافع، لكان تاريخ المغرب قد أخذ اتجاها آخر. لكنّ هل كان البربر ناضجين لتحقيق مثل هذا الهدف؟ ومع الكاهنة سينتقل مشعل المقاومة إلى البتْر، ولكن دون جدوى.