«الكاهنة»: الفرق بين المراجعتين

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سطر 12: سطر 12:
  
 
[[تصنيف:الموسوعة التونسية]]
 
[[تصنيف:الموسوعة التونسية]]
[[تصنيف:الاعلام]]
+
[[تصنيف:الإعلام]]

مراجعة 09:16، 30 ديسمبر 2016

[القرن الأوّل هـ/السابع م]

لقد جسمت الكاهنة، في مواجهة حسّان بن النّعمان، روح المقاومة البربرية للغزاة العرب، إثر انهيار سلطة الروم الرسميّة غداة سقوط قرطاج (73هـ/692 - 693م).وشخصيتها الحقيقية يعسر رسمُها لا سيما أنّه لايمكننا الحصول على شيء من ملامحها الحقيقيّة إلاّ ما جاء منها محرّفا في الأسطورة.فماذا نعلم عن حياتها الخاصة؟ إنّ الاتفاق لم يحصل حتّى على اسمها الحقيقي، إذ أنّ اسم الكاهنة ليس سوى لقب أطلقه عليها العرب. فيبدو أنّها سميّت دَهْية، ويذكر ابن خلدون (البربر، ق، 172،ترجمة دي سلان) (De Slane) قبيلة بربرية تعرف كذلك بهذا الاسم - ويمكن ألاّ تكون دَهْيَا، أو دَمْية، أو دَاميَة أو دَاهيَة، أو دَحْيَة سوى اختلافات في الرّسم.ويلاحظ التردّد نفسه في شأن نسبها، فيبدو أنّها ابنة تاتيت، أو كذلك مَاتيَا ("ماتياس"، ماتيو (Mathias ,Mathieu) ابن تيفان "تيوفان") فهل تكون الكاهنة من هؤلاء البربر ذوي الدّم المختلط، الناشئين عن زيجات مختلطة؟ وقد يساعد ذلك على تفسير النفوذ الذي كان لها لا على مواطنيها وحدهم بل على البيزنطيّين أيضا. وهذا الافتراض معقول لا سيما أنّ عددا من العلامات الأخرى تؤكّده. فقد تزوّجت الكاهنة، فيما يبدو، يونانيّا. وكان لها بالفعل، ابنان: أحدهما بربريّ النسب، والاخر من أب يوناني. وكانت أيضا، على عكس ما ظنّ، مسيحية العقيدة لا يهوديتها. ومن المؤكّد أنّ قبيلتها جراوة، - وهي فرع من زناتة التي ترتبط بالبُتر ذوي المعيشة البدوية والرعوية - قد اعتنقت في البداية اليهودية، لكنّها تحوّلت، فيما بعد، مثل قبائل أخرى كثيرة، ومن ضمنها قبيلة نفوسة مثلا، إلى المسيحية. وحين دخلت الكاهنة مسرح التاريخ، كانت أرملة متقدّمة في السنّ جدّا دون شكّ. وتمنحها الأسطورة 127 سنة من العمر، قضت منها 35 ملكة على الأوراس حيث كانت قد تأسّست، منذ سنة 477م بفضل ثورة مظفّرة على الوندال، مملكة بربرية مستقلّة أولى يحكمها يابداس (Iabdas). وكانت، مثل "الملكات العربيات" اللاّئي يذكرهن توفيق فهد (الكهانة العربية La divination arabe ,98) بلا شكّ "مجذوبة". وفي وقت الوحي، كانت تدخل في انفعال شديد، وتنفش شعرها وتدقّ على صدرها. وهكذا كانت تستخدم أيضا تقنيات أكثر كلاسيكية في ميدان الكهانة، مثل قراءة المستقبل في الحصى، ولا شكّ في أنّها تدين بقسم كبير من نفوذها إلى مواهبها التنبّئيّة. وواصلت الكاهنة القفّاز التحدّي الذي رفعه كُسَيْلة للعرب وكان قد جنّد خاصة البرانس الحضريّين. وفي مرحلة أولى تمّ لها النصر. وبعد أنّ انتزع حسّان بن النّعمان قرطاج ودمّر القوات البيزنطيّة المنظّمة، توجّه نحو الأوراس، قلعة المقاومة البربريّة. وبعد أنّ جمع قوّاته على ضفاف المسكيانة، انطلق في الهجوم. وفعلت الكاهنة مثله، بعد أن دمّرت بجاية، وكانت حسب المرجّح، عاصمتها، رغبة في منعها من السقوط المحتمل في أيدي المعتدين. ودارت الواقعة الحاسمة على ضفتي وادي نيني، غير بعيد دون شكّ عن المحطّة التي تحمل الاسم نفسه والتي توجد اليوم على مسافة 16 كلم جنوبي عين بيدة على السكّة الحديديّة المؤدّية إلى خنشلة. وكانت المعركة نكبة على حسّان حتّى إنّ الوادي الذي وقعت فيه لم يسمّ لدى العرب، ولمدّة طويلة، سوى نهر البلاء، أو كذلك، ولأسباب أقل قابلية للتفسير، وادي العذارى. وعرفت هذه الحملة بالنسبة إلى حسّان نهايتها في أرض قابس في معركة أخيرة ألقت بالغازين خارج إفريقية. وتلقّى حسّان الأمر بالتوقّف عن الانسحاب على أربع مراحل شرقي طرابلس حيث أقام معسكره (قصور حسان) وانتظر ساعته. ووسّعت الكاهنة في سيطرتها، لكنّها لم تمدّ نفوذها بلا شكّ مثلما تؤكّده بعض المصادر (ابن عذاري، البيان، ج. 1, 36. النويري، نهاية، دي سلان (De Slane) 340 ,I) إلى كامل المغرب، ولا حتّى إلى كامل إفريقيّة. وعاملت الأسرى العرب معاملة حسنة وتبنّت من بينهم، بفضل طقس الارضاع المصطنع البربري، قائدا ذا نفوذ، هو خالد بن يزيد - ويسمّى أيضا يزيد بن خالد - وينسب إليه دور التجسّس لصالح حسّان. فهل كانت ترغب في إقامة علاقات طيّبة بالعرب، وحملهم على التخلّي عن مراميهم التي كانت بلا شكّ مطّلعة عليها بوسائل أجدى من الكهانة؟ ومن المرجّح أنّ فشل هذه السياسة هو الذي حملها بعد استنفاد جميع الوسائل على اتخاذ قرار حاسم وخيم العواقب: تخريب البلاد، متبعة في الجملة، أمام عدوّ عنيد، طريقة "الأرض المحروقة". وكانت فيما بعد، سنة 539، طريقة سليمان في مواجهة الملك يابداس المتحصّن في الأوراس (ش. ا. ديفورك (Ch.E.Dufourcq), بلاد البربر وايبريا...، في المجلّة التاريخية (Revue historique), الكراس 488, ص. 300, وهو ينقل عن بروكوب (Procope)). وقد أثار هذا التخريب مناقشات طويلة. وينكره بعض المؤرخّ ين العصرييّ ن، كما أن ّ الاخبارييّ ن العرب بالغوا فيه بلا حدّ. وفي الواقع، يبدو أنّه لا يمكننا إنكاره عقلا، ولا عَدّه كارثة حقيقية. فلم يكن مهمّا إلى درجة تكفي لاغضاب شرائح واسعة من السكان الحضريّين، فحين لم يبحث هؤلاء السكان عن ملجإ في الجزر المتوسطيّة، وحتى إسبانيا، رضخوا لالتماس تدخّل حسّان. وغزا حسّان الذي كان مطلعا على تطور الوضع - وقد تلقّى مددا، سنة 78هـ/697 - 698م (التاريخ غير ثابت) في هذه المرة دون شكّ بدعم بعض الفرق البربريّة الغاضبة من سياسة الكاهنة. ومنذ ذلك الحين، لم يبق للأهالي قضية مشتركة. وبدأت ريح الهزيمة تهب على الأوراس، وهذه الريح عند تخلّلها لشعر الكاهنة المنشور في شطحتها، قد أوحت إليها، وهي فريسة للاضطراب والعصبيّة، بتلك التنبّؤات المنذرة التي لم تكن سوى إنذارات يائسة، والتي نقلت لنا باعتبارها من الوحي. ووقع الصدام الأوّل في جهة قابس، ولم يكن مواتيا للكاهنة. وهنا ينبغي أنّ نقف موقفا منطقيّا من الواقعة المأسوية، التي تبدو غير معقولة ولكنّها حقيقية حسب المرجع، وتقدم لنا "الملكة"، - وقد أصبحت واثقة من هلاكها - وهي تنصح أبناءها بتغيير المعسكر في الوقت المناسب. وأسرعت، هي نفسها، وقد تعقّبها حسّان، إلى جبال الأوراس. ودارت المعركة الأخيرة في مكان يسمّيه المالكي (رياض، ج. 1, 36) طرفة، وليست طبرقة - ويثبتها البكري (المسالك 57، الترجمة 121), وابن ناجي (معالم، ج. 1, 61) وابن أبي دينار (المؤنس، 35) - دون أدنى شكّ سوى تحريف في الرّسم. وفي هذا الموضع، أي على الأرجح في مخرج جبل نشار على بعد ما يقارب 50 كلم شمالي تُبنة، خاضت الكاهنة معركتها الأخيرة في تلاحم ظنّه الطرفان، كما أثبت لنا، تلاحم الافناء، قبل أن تسقط قتيلة بجانب بئر سُمّيت طويلا باسمها. إنّ عزم الكاهنة وحزمها كان لهما تأثير بالغ الأهميّة، ويرى فيها بعض المؤرّخين المحدثين نوعا من جان دارك بربرية (دو لارتيغ (De Lartigues), دراسة أحادية monographie,182).