أبواب تونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

كانت مدينة تونس محاطة بأسوار، وفقا لنظم تحصين المدائن في العصور الغابرة بسائر جهات المعمورة، إنّما الشّيء الجدير بالذكر هنا، هو أن حاضرة تونس كانت مسيّجة بسور من تراب أقامه حولها الأمراء الأغالبة في أوائل المائة الثالثة للهجرة، وهذا السّور تناوله التجديد مرارا في القرون التّالية. ولقد حفظ التّاريخ في هذا المقام منقبة جليلة لوليّ اللّه سيدي محرز بن خلف، عماد البلد وأهلها، يسمّونه "سلطان المدينة" إذ كان من العاملين على تشييد سور تونس في المائة الرّابعة، ويقول المؤرّخ ابن أبي دينار في المؤنس: "إنّ هذا السّور المحرزي عفت رسومه عند ظهور الدّولة الحفصية، لأنّ السّلاطين الحفصيين جدّدوا أسوار تونس عاصمة ملكهم، وجعلوها بالحجارة والبناء المرصوص، وهكذا استرسل حال الأسوار التّونسيّة عبر العصور إلى عهد الدولة الحسينية. ففي مدّتهم كثرت تحابيس أهل الخير على أسوار تونس، قياسا على صنيع أهل العصر الحفصي، وكانت أغلب تلك التّحابيس الباقية آثارها لهذا الزّمان، هي معاصر الزّيوت التي كانت الحاضرة عامرة بها، وكان من أكثر الملوك الحسينيّين عناية بالأسوار والحصون الواقعة حول تونس، المولى حمودة باشا."

هذه الأسوار التي كانت في الزّمن القديم تضمّ داخلها مدينة تونس بأجمعها، أصبحت من ثمّة واقعة داخل البلد بسبب انتشار البناءات والمساكن خارجها، بحيث إنّها فات المقصود منها، وصار وجودها، فيما يقال، منافيا لقواعد الصّحّة بالمعنى العصري. لذلك هُدم بعضها لعهد قريب، لأنّ بعضهم يراها مانعا من انتشار الضّوء والهواء حول الأبنية، والدّور، والقصور المجاورة لها. وليس هذا بالأمر الغريب، فإن بعض أسوار تونس كان قد هُدم لقرنين ماضيين فيما بين باب البنات وباب قرطاجنّة على عهد الباشا علي باي الأوّل، هكذا جاء في كتاب المشرع الملكي، والتّاريخ يعيد نفسه كما هو مقرر معلوم، على أنّ الأسوار التي هدمت في زماننا الحاضر، بقيت منها نماذج قائمة لاخبار الأجيال القابلة بأحوال القرون الماضية.

وكان لحاضرة تونس في الأوّل سور واحد محيط بالمدينة، وهذا السّور كان موقعه بالطّريق العام المارّ به خطّ سكّة الترامواي، أي السّكّة المارة بباب البحر فباب قرطاجنّة، فباب السويقة، فباب البنات، فالقصبة، فباب المنارة، فالباب الجديد، فباب الجزيرة، فباب البحر حيث البداية، وهذا هو السّور القديم الذي كان موجودا في المائة الرّابعة على عهد سيدي محرز بن خلف، وكانوا ينعتونه بالسّور الدّخلاني، والسّور الثاني هو الذي أحدثه سلاطين بني حفص، وهو المضاف إلى سور باب البحر، وباب الجزيرة، فباب علاوة، فباب الفلّة، فباب القرجاني، فباب سيدي قاسم، فباب سيدي عبد اللّه، فباب غدر، فباب العلوج، فباب سعدون، فباب سيدي عبد السلام، فباب العسل، فباب الخضراء، ومنه يلتحق بسور باب قرطاجنّة، وباب البحر حيث البداية، وهذا السّور كانوا ينعتونه بالسّور البرّاني. ولقد اعتمدنا في بحثنا مصادر كثيرة، أقدمها عهدا كتاب "المسالك والممالك" لأبي عبيد عبد اللهّ البكري (ولد سنة 432هـ/1040م وتوفي بقرطبة سنة 487هـ/1094 م) وكتاب "نزهة المشتاق" للشّريف الإدريسي (ألّفه سنة 548هـ/1153م) و"معجم البلدان" لياقوت الحموي (المتوفّى عام 626هـ/1228م) وأقربها عهدا كتاب "المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي"، لمؤلّفه محمد الصغير بن يوسف الباجي (توفّي في حدود سنة 1184هـ/1770م) وتاريخ الحكيم فرانك الفلمنكي، طبيب المولى حمودة باشا الحسيني ألّفه في حدود سنة 1815 للميلاد وكتاب "نزهة الأنظار" للمؤرّخ محمود مقديش الصّفاقسي، أنهاه تأليفا بحوادث سنة 1233هـ/1817م، وبقية المصادر التي رجعنا إليها في هذا البحث، هي: ابن شبّاط (المتوفى عام 681هـ/1282م) و"رحلة العبدري" التي ابتدأها صاحبها في سنة 688هـ/1289م و"رحلة التجاني" (عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم التّجاني. توفي سنة 720هـ/1320م) و"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" للرّحّالة ابن بطوطة ابتدأها في سنة 725هـ/1324م و"تقويم البلدان" لأبي الفداء إسماعيل (المتوّفى سنة 732هـ/1331م) وكتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لابن فضل الله العُمَري الدمشقي (المتوفّى سنة 748هـ/1347م) وكتاب "العبر" لابن خلدون (المتوفى سنة 808هـ/1405م) وكتاب "صبح الأعشى" لأبي العباس أحمد القلقشندي ألّفه عام 814هـ/1411م و"تحفة الأريب" لعبد اللّه التّرجمان ألّفها سنة 823هـ/1420م وكتاب "الأدلة البيّنة النّورانية على مفاخر الدّولة الحفصية" لابن الشّمّاع أنهاه تأليفًا بحوادث عام 833هـ/1429م و"تاريخ الدّولتين الموحديّة والحفصية" للفقيه الزّركشي، واسمه محمد بن إبراهيم اللؤلؤي المعروف بالزّركشي (المتوّفى سنة 932هـ/1525م) وكتاب "وصف إفريقية" للمؤرّخ ليون الافريقي وهو كتاب جليل تضمّن ثلاثة مجلّدات، ظهر حوالي سنة 639 للهجرة (1530 للميلاد) و"المؤنس في أخبار إفريقية وتونس"، لأبي عبد اللّه محمد بن أبي القاسم الرّعيني القيرواني المعروف بابن أبي دينار، ختمه بحوادث (سنة 1092هـ/1681م) وكتاب "الحلل السّندسيّة في الأخبار التونسية" للوزير السّرّاج، وغير ذلك من المعجمات والمؤلّفات التّاريخيّة الحديثة، عربية وفرنسية.

نبدأ بأبواب السّور الدّخلاني التي تقدّم ذكرها، ويلوح أنّ أقدم أبواب هذا السّور، هو باب الجزيرة الذي يعبر منه للوطن القبلي، والوطن القبلي اسمه في كتب التّاريخ جزيرة شريك، نسبة لشريك العبسي عاملها، وهو من الفاتحين الأوّلين، يزاحمه في الأقدمية باب قرطاجنة الذي يعبر منه لجهة قرطاج، ومن أطلال هذه المدينة جيء بالحجارة اللازمة لعمارة مدينة تونس، وعلى هذا التّقدير يمكننا جعل ظهور هذين البابين في أواخر المائة الثانية أو في أوائل المائة الثالثة، أي في الزّمن الذي تمصّرت فيه مدينة تونس، وأخذت نصيبها من العمران والازدهار الفقهي حول مسجدها الأعظم جامع الزّيتونة الذي تم بناؤه باتّفاق المؤرخين في سنة 114هـ/732م على يد عبيد الله بن الحبحاب والي تونس للخليفة هشام بن عبد الملك. وهنا يجدر الالمام بوصف تونس على ما حكاه البكري (المائة الخامسة) في كتاب المسالك والممالك، لأنّه أقدم المصادر التّاريخية المعتمدة كما أسلفنا، قال: ومدينة تونس في سفح جبل يعرف بجبل أم عمرو (الجبل الأحمر)، ويدور بمدينتها خندق حصين، ولها خمسة أبواب، باب الجزيرة قبلي، ينسب إلى جزيرة شريك، ثم قال: وبشرقيّها أيضا باب قرطاجنّة، دونه داخل الخندق بساتين كثيرة تعرف بسواني المرج (هذه البساتين كان موقعها فيما بين باب الخضراء وباب السويقة شاملة لجهة الحلفاوين، ومنه الرّياض الذي كان محلّ نزهة لأهل الدّولة) وباب السّقّايين جوفي، نسب إلى السّقاّيين لأنّ بئرا تُعرف ببئر أبي الفقار تقابله، وهي بئر كبيرة عذبة الماء نميرة. وباب أرطة غربي، تجاوره مقبرة تعرف بمقبرة سوق الأحد، ودون الباب من داخل الخندق غدير كبير يعرف بغدير الفحّامين، وربض المرضى خارج عن المدينة، وبقبلي ربض المرضى ملاّحة كبيرة، منها ملحهم وملح من يجاورهم.

ومن تعريف البكري، يظهر أنّ مدينة تونس كانت لها خمسة أبواب في زمنه، وهي: باب الجزيرة (معروف، شمله الهدم مع سور تونس الدّاخلي)، وباب قرطاجنّة (معروف، شمله الهدم مع السّور الدّاخلي كالباب السّابق)، وباب السّقّايين، وكان يفتح بجهة الجوف قرب بير قميرة، يستقي منها أهل تونس، وهذا الباب غير معروف ولم يشر إليه المؤرّخون التوّنسيون، ويلوح بمقتضى اتّجاه موقعه الجوفي، أنّه ربّما كان هو باب الأقواس، حيث كانت مخازن المشاكة وهم أصحاب الأمشاك الخاصّة بتعبئة ماء الشراب وحمله لتزويد أهل المدينة، وباب أرطة وهو غير معروف أيضا، ولعلّه نسبة إلى اسم بشر بن أرطة من أصحاب عقبة بن نافع، لأنّ التّاريخ أثبت قدوم بعض أصحاب عقبة إلى جهة تونس، أو هو بالأحرى اسم لبقعة مجاورة لسور تونس من ناحيته الغربية كما يستفاد ذلك من عبارة البكري في قوله: وسار حسّان بن النعمان إلى أرطة، فقاتل الرّوم بفحص تونس. وهذا الباب كان غربيّ المفتح، وكان لقربه من الخارج جبّانة تعرف بمقبرة سوق الأحد، ودون الباب أي بداخل البلد، كان الخندق الجامع لنفايات المدينة، وسنعود للكلام عليه، وخارجه أي خارج البلد، كان ربض المرضى، يعني المرضى المبتلين بأمراض العدوى. ويقول بعض المؤرخين من الأروباويين، إنّ جعل هؤلاء المرضى خارج المدينة كان لسبب إصابتهم بالبرص. ومقتضى كلام البكري، كان قبلي هذا الرّبض ملاّحة كبيرة يتزوّد منها أهل المدينة، وهذه الملاّحة ليست هي إلاّ ملاّحة رادس المعروفة، إذ لا يوجد حول حاضرة تونس إلاّ هذه الملاّحة وملاّحة روّاد الواقعة لجهة الجوف بالنّسبة إلى مدينة تونس، وأمّا المقبرة المسمّاة بمقبرة سوق الأحد، فمحلّها بمقتضى اتّجاه موقعها نحو الغرب، يكون خارج السّور فيما بين باب العلوج وباب سيدي عبد اللّه اللذين سيأتي الكلام عليهما، وفعلا توجد هناك لهذا الزّمان المقبرة المنسوبة إلى سيدي أحمد السّقّا، وكون هذا الوليّ من رجال المائة الثامنة (توفي رضي اللّه عنه عام 743 / 1342م)، لا يقوم دليلا على عدم وجود مقبرة هنالك قبله، بل الأمر بالعكس، إذ من المحتمل القريب أنّ تلك المقبرة أوّلية، وإنّما بدّل اسمها بتوالي القرون، بدليل أنّ مقبرة الزلاّج حبّسها صاحبها في المائة السّابعة، مع كون أرضها كانت بها جبّانة لدفن أموات المسلمين في المائة الخامسة أو قبلها، وهنا ينتهي بنا التعليق على كلام البكري، وبقي مدينا لنا ببيان الباب الخامس بتونس في زمنه.

وأمّا الشّريف الادريسي صاحب كتاب "نزهة المشتاق" الذي هو من رجال المائة السّادسة، فقد قال: وهي (تونس) الان في وقت تأليفنا لهذا الكتاب (سنة 548هـ/1153م) معمورة موفورة الخيرات، يلجأ إليها القريب والبعيد، وعليها سور تراب وثيق، ولها أبواب ثلاثة (لم يذكر أسماءها)، وجميع جناتها ومزارع بقولها في داخل سورها، قلت: اتّفق المؤرّخون الأروباويون على أنّ كتاب الشّريف الادريسي أحسن ما وضع في فنّ الجغرافيّة في زمنه، لأنّه كتبه عن عيان لا عن سماع.

وقال ابن الشّباّط: ولها (تونس) في زماننا (المائة السّابعة) عشرة أبواب، بعضها في البلد، وبعضها في القصبة، ثم قال: وبها أسواق كثيرة، ومتاجر عجيبة، وفنادق كبيرة رفيعة، وبها خمسة عشر حمّاما، وعضادات أبواب... هذا كلام ابن الشبّاط بالنّقل عن ابن أبي دينار الذي استدرك عليه بأنّ أبواب تونس في زمنه (القرن الحادي عشر) سبعة أبواب، ولم يبق في القصبة إلاّ باب غدر وأنّ عدد الحمّامات أربعون.

وقال في رحلة العبدري: ومدينة تونس - كلأها اللّه - من المدن العجيبة الغريبة، وهي في غاية الاتّساع ونهاية الاتقان، والرّخام كثير بها، وأكثر أبواب ديارها معمول به عضائد وعتبًا، وجلّ مبانيها من حجر منحوت محكم العمل، ولها أبواب عديدة (لم يذكر أسماءها)، وعند كل باب منها ربض متّسع على قدر البلد المستقلّ. قلت: هذه الأرباض هي: ربض باب السّويقة، وربض باب المنارة، وربض باب الجزيرة.

وأمّا رحلة التّجاني التي ابتدأها سنة 706هـ/1306م، فلم نجد فيها ما يفيد القارئ بخصوص أبواب مدينة تونس ، ومثلها رحلة ابن بطوطة، سوى أنّ هذا الرّحّالة الشّهير وصف لنا موكب السّلطان الحفصي بما يشفي الغليل، وكان ابتداؤه لرحلته من طنجة في سنة 725هـ/1324 م.

وقال في تقويم البلدان لأبي الفدا إسماعيل، المتوفّى عام 732هـ/1331م: "تونس هي كرسيّ مملكة إفريقية"، ثمّ لاحظ على ضبط لفظها فقال: بضمّ المثنّاة من فوق، وسكون الواو، وضمّ النّون، وفي آخرها سين مهملة. وبهذا الضّبط يكون اسمها غير مشتقّ من الأنس الذي أشار إليه الشّاعر في قوله (متقارب) :

وتونس تُؤْنس من جاءها
وتدركه حسرة حيث سار

ولكن ياقوت الحموي قال في "معجم البلدان": إنّ النّون في لفظ تونس تضمّ وتفتح وتكسر. قلت: هذا أغرب من الغريب، لأنّ مثل هذا التّوسّع لا يصحّ استعماله في أسماء الأعلام، ولأنّ لفظ تونس معرّب من لفظ (Thunes) في اللسان اللاتيني وموجود في كتب الأقدمين قبل أن يفتحها المسلمون بأحقاب، ومن العبث الصّراح الجزم بغير الحقيقة التّاريخية التي جعلت اسم تونس لحسن حظّ أهلها موافقا بمجرّد الصّدفة والاتّفاق لمادة الأنس الذي في معناه الاستبشار وانشراح الصّدور.

وممّن وصف تونس وصفا مُسْتفيضًا ابن فضل اللّه الدّمشقي (توفّي عام 748هـ/1347م) في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار حيث قال: هي مدينة مسوّرة في وطئة من الأرض بسفح جبل يعرف بأمّ عمرو، ويستدير بها خندق حصين، وثلاثة أرباض كبيرة من جهاتها، وأرضها سباخ، وبها قصبة هي سكنى السّلطان، وجميع بناء تونس بالحجر والاجر مسقوفة بالأخشاب، وتفرش ديار أكابرها بالرّخام ومنذ خلا الأندلس من أهله وآووا إلى جناح ملوكها، مصّروا إقليمها ونوّعوا بها الغراس، فكثرت منتزهاتها وامتدّ بسيط بساتينها على بحيرة من البحر الشّامي (البحر المتوسّط) خارجة إلى شرقيّها من فم ضيّق (حلق الوادي)، إلى أن قال: وليس لأهل تونس شرب إلاّ من الابار، أحدها بير ضبيان، وبالبيوت صهاريج (مواجل) تجمّع فيها مياه الأمطار لغسل القماش وغير ذلك. فترى مع هذا الوصف الجميل عدم تعرّض ابن فضل لذكر أبواب تونس، ولكنّه أفادنا باسم بير ضبيان المقتبس منه بما لا شكّ فيه اسم خندق ضبيان الذي كان متسربلا خلال ربض باب السّويقة حتّى البحيرة.

هذا ولم نقف في كتاب العبر لابن خلدون على تعريف خاصّ بأبواب تونس، رغم إلمامه الجامع بتاريخ بلاد العرب والبربر بأجمعه، ومثله القلقشندي فإنّه وصف تونس في صبح الأعشى، ولكنّه لم يتعرّض لذكر أبوابها، ومثلهما المؤرخ ابن الشّمّاع، وهو من أبنائها. أمّا الفقيه الزّركشي فقد تعرّض لذكر جملة من أبواب تونس المعروفة وغير المعروفة، ومن هذه الأخيرة باب ينتجمي (لفظ بربري) أحد أبواب القصبة، ونصّ عبارته:وفي سنة 651هـ/1253م بنى المستنصر بن أبي زكرياء قبّة الجلوس بتونس التي باسراك (لفظ بربري معناه بطاح) المشرفة على باب ينتجمي، وبنى الممشى من القصبة إلى رأس الطّابية لكي تحتجب فيها حريمه، وأوصله إلى رياض أبي فهر. وقال في حوادث عام 857هـ/1453م: توفّي القائد نبيل بمحبسه ودفن ليلا بالقصبة، ثمّ أخرج ليلة الخميس رابع عشر الشّهر المذكور (جمادى الأولى عام 857هـ) وأنزل إلى المدرسة الكائنة شرقي باب ينتجمي أحد أبواب القصبة (ولسائل أن يسأل: أين موقع هذه المدرسة؟ والمظنون أنّها بجهة الحفصية أو بجهة حوانيت عاشور حيث مدرسة الوزير البربري أحمد بن تفراجين الباقية آثارها إلى هذا الزّمان بنهج سيدي ابراهيم الرّياحي). وقال في حوادث عام 861هـ/1456 - 1457م: أصاب النّاس بتونس غلاء في الطّعام، بلغ قفيز القمح أربعة دنانير ذهبا، والشّعير على الشّطر من ذلك، فشكا النّاس قلّة الطّعام وغلاءه للسلطان (أبي عمرو عثمان الحفصي) فأمر بأن يخرج من المخزن (الرّابطة) في كلّ يوم ما يصنع منه ألف خبزة وتفرّق على الفقراء بباب ينتجمي، فابتدئ بتفريقها في ثالث ربيع الثّاني، ودام إلى رجب، حتى كثر الطّعام الجديد ورخص ثمنه، (هذه الشهور الثلاثة يوافقها مارس وأفريل وماي سنة 1457 للميلاد).

وممّن كتب أيضا في وصف حاضرة تونس المؤرّخ ليون الافريقي الذي وصف تونس وصفا جامعا عرض فيه لما تشتمل عليه من الأبنية والابار والعوائد حتى المأكول، ومنه البسيس، وأثنى على أخلاق أهلها وإقبالهم على الصّنائع والشّغل ولا سيما النّسيج وقال: إنّ السّلطان المستنصر زاد في عمارتها بإحداث ربض خارج باب السّويقة به ثلاثمائة دار، ربض خارج باب المنارة به ألف دار، وربض خارج باب البحر به مساكن النّصارى ومتاجرهم، وأكثرهم من الجنويز، والبنادقة، والكاتلان، وقال: إنّ الدّور مبنية بالحجارة الصّلدة، وصحونها مفروشة بحجر الكذّال، وبلاط البيوت مموّه بالألوان: قلت: كان عدد ديار تونس في ذلك العصرمقدّرا بالعدّ الصّحيح لنحو سبعة آلاف دار. ومعلوم أنّ حاضرة تونس كانت مستكملة العمارة في أواخر العصر الحفصي من حيث اشتمالها بالوسط على أحياء المدينة الواقعة داخل سورها الأوّل كما تقدم ذكره، وعلى أحياء الأرباض المحدثة في العصر الحفصي التي يشملها السّور الخارجي (وما زالت منه بقية عظيمة موجودة لهذا اليوم)، وأبواب هذين السّورين المعروفة بين النّاس، ذكر أكثرها المؤرّخ ابن أبي دينار في المؤنس، بحيث لم تبق لنا فائدة بإضافة نُقُول أخرى لذلك من كتب المؤرخين المتأخّرين. لذا نحصر ما بقي لنا من الحديث في التعّريف بتلك الأبواب، قديمة كانت أو حديثة، موجودة أو غير موجودة، ونتوخّى في ذلك تقديم القديم على الجديد.

ولكن لا بدّ لنا قبل ذلك من الاشارة إلى كون جميع الأبواب كانت تغلق ليلا، كما كانت تغلق نهارا أيضا وقت صلاة الجمعة وفقا لعادة قديمة ظهرت في أواخر الدّولة الحفصية عند احتلال عساكر الأسبانيول لتونس، اتّقاء شرّ الفتنة ودفعا لهجمات البدو من الأعراب، فقد كان بعض سلاطين بني حفص في دور هرم دولتهم يستنفرونهم للدفاع عنهم، فيعيثون في الأرض فسادا. واسترسل الأمر كذلك على عهد حكم الأتراك في كامل مدّة الدّولة المرادية، وبقي كذلك أيضا في العصر الحسيني إلى أوائل مدّة المشير أحمد باي. فلمّا رتّب الأجناد وتوفّرت لديه العدّة الكافية للاحتفاظ بالأمن العام، استغنى بذلك عن غلق أبواب الحاضرة وقت صلاة الجمعة، وبقي غلقها واقعا في الليل بانتظام من الغروب إلى قبيل طلوع الشمس، عدا باب الخضراء وباب علاوة، فإنّهما لا يغلقان إلا إثر صلاة العشاء. وقياسا على ذلك كانت أبواب الحارات والحومات بداخل المدينة تغلق أيضا في الليل، وهذه الأبواب الدّاخليّة كانت كثيرة بقسم المدينة، لكلّ حومة باب خاصّ بها يجعلها منفصلة عن بقية الحارات طيلة الليل كله صيفا وشتاء. وكانت مفاتيحها بيد المحرّكين، ولا يجوز فتحها ليلا بحال، اللهم إلاّ في حالة احتضار مريض لجلب طبيب أو قريب له أو في حالة امرأة أخذها المخاض ليؤتى لها بقابلة لمباشرتها، ودام غلق أبواب حومات المدينة إلى سنة 1276هـ/1859. فلمّا أعلن المشير محمد الصادق باي قانون عهد الأمان، ترك لأهل الحاضرة حرّيتهم بإبقاء حاراتهم مفتوحة في الليل كما في النهار، ولم يستثن من ذلك إلاّ أبواب أسواق التّجارة. أمّا غلق أبواب البلاد ليلا فقد كان القصد منه حفظ السّكّان من طوارق الحدثان، ومن ناحية أخرى كان وسيلة لضبط الأداء الموظّف على المحصولات التي تجلب لتونس من مختلف الجهات، حتّى لا يقع إدخال شيء من الطّعام أو غيره خفية في الليل، ويفوت بذلك دخل كبير على البايليك، بحيث إنّ أبواب البلاد كانت لا تفتح ليلاً إلاّ لحادث عظيم. فقد اتّفق لهم مرّة فتح باب أبي سعدون أثناء الليل عن إذن الداي ليخرج منه جماعة من القرّاء دُعُوا إلى الحضور بباردو بمناسبة مأتم في دار الامارة، حدث فجأة. وهذا الباب نفسه صدر الاذن في أواخر عام 1298هـ/1881م، بإبقائه مفتوحا دواما واستمرارا لتسهيل أسباب المواصلة لعساكر جيش الاحتلال بين تونس والثّكنات العسكرية الواقعة خارجها، ثمّ بطريقة التّدريج وفُتح باب الخضراء، وباب علاوة، وباب القرجاني، وباب العلوج في الليل كما بالنّهار. وكان آخر الأبواب فتحا في الليل مع النهار، باب سيدي عبد السّلام، وباب سيدي عبد اللّه الشّريف، وألغيت مع ذلك خدمة استخلاص المعلوم على دخول المحصولات من أبواب الحاضرة لفوات المقصود منها، لأنّ أكلافها أصبحت بتكاثر متوظّفيها تناهز المدخول الحاصل منها لفائدة صندوق الدولة.

تاريخ نشأة الأبواب

باب الجزيرة

هو من أقدم أبواب تونس إن لم يكن أقدمها، والجزيرة المنسوب إليها هذا الباب هي جزيرة شريك العبسي، وقد تقدّم التّعريف بذلك، ولامام البلاغة الورغي أبياتٌ جاء فيها ذكر هذا الباب ونصّها (وافر) :

سقاك الغيث يا باب الجزيرة
فكم جازتك من حورا عطيره
 تميل إذا مشت كالسّرو هبّت
عليها الرّيح من أرض مطيره
ويرجع كلّ ذي عين رآها
بكفّ عن تناولها قصيره
إذا ما قال ذو طمع لمن ذا
تقول لمن دراهمه كثيره

باب قرطاجنّة

معروف، وممّا لا شكّ فيه أنّه من أول أبواب تونس حدوثا، ويبدو أنّه أقيم في المائة الثّانية، لأنّهم كانوا يدخلون منه الحجارة المجلوبة من أطلال قرطاجنّة لعمارة تونس، وتونس كانت دار علم وفقه كما كانت متمصّرة في أواخر المائة الثّانية.

باب أرطة

غير معروف، ويلوح أنّه من أقدم أبواب تونس على تقدير أنّ اسمه نسبة لاسم بشر بن أرطة من أصحاب عقبة بن نافع الذي تولّى حكم إفريقية مرتين في أواسط القرن الأوّل للهجرة، أو هو نسبة لبقعة من الأرض مجاورة لتونس كما تقدّم ذكره.

باب السقّايين

غير معروف، وهو من أقدم أبواب تونس، لأنّه كان موجودا في المائة الخامسة، ولعلّ موقعه كان بجهة باب الأقواس كما تقدّم بيانه.

باب البحر

باب بحر

معروف، وهو من أقدم أبواب تونس اتّفاقا، لأنّ سوره كان هو الحافظ للمدينة من جهة البحر كما يدلّ عليه اسمه، قالوا: إنّ الواقف بدرج جامع الزّيتونة في المائة العاشرة كان يرى مياه البحر من مكانه.

باب السّويقة

باب السويقة

معروف، كان موجودا باسمه هذا في المائة الرّابعة، ومعنى السّويقة سوق صغيرة كان يملكها سيدي محرز بن خلف وكانت محرّرة من الأمكاس كبقية عقاراته ومتاجره وغروسه.

باب الأقواس

موقعه معروف، ويلوح ممّا ورد في شأنه بالمؤنس، أنّه اندثر مع السّور القديم الذي بناه سيدي محرز بن خلف.

باب الفلاق

غير معروف، ذكره ابن أبي دينار في جملة الأبواب المندثرة التي كان موقعها بالسّور المحرزي.

باب البنات

باب البنات

معروف، ويبدو أنّه منسوب إلى بنات أحد الثّوار، ولعلّه ابن غانية المعاصر للموحّدين، وهؤلاء البنات كنّ على جانب من الجسارة والشّمم وعزّة النّفس.

باب ينتجمي

غير معروف، وكان موقعه بالقصبة على الأرجح، لأنّ الزّركشي قال إنّه أحد أبوابها كما تقدّم وصفه بمزيد بيان.

باب غدر

معروف. ذكره ابن أبي دينار وقبله الزّركشي، ومنه يستفاد أنّه كان موجودا في عام 708هـ/1308م وهذا الباب خاصّ بالعساكر الذين بثكنة القصبة في ذاك الزّمان.

باب الڤرجاني

معروف موقعه، وسمّي كذلك نسبة لوليّ اللّه سيدي علي الكبير الڤرجاني من رجالات المائة السّابعة.

باب المنارة

باب المنارة 1900

معروف، سمي كذلك لأنّه كانت بجداره مشكاة لهداية أبناء السّبيل، وكان موجودا في عام 684هـ/1285 م.

باب الجديد

باب الجديد

معروف، بني على عهد السّلطان يحيى الحفصي في حدود سنة 676هـ/1277م وفي مدّة الباشا علي باي الأوّل تناوله التّدمير والتّخريب برمي المدافع أثناء الفتنة التي أثارها الباشا المذكور لاغتصاب الحكم من يد عمّه المولى حسين بن علي. ولمّا رجع الدّرّ إلى معدنه أمر المولى علي باي الثّاني بتجديد هذا الباب في سنة 1183هـ/1769م، وقد أرّخ هذا التّجديد أبو عبد اللّه محمد الورغي بأبيات ننقلها من ديوانه ونصّها:

جدّد هذا الباب الجديد
علي باشا بن الحسين السّعيد
أقامه من بعد ما قد هوى
في فتنة يشيب منها الوليد
فاللّه يحميه وأنجاله
من مثلها في طيب دهر حميد
ويبني لهم مثل ما قد بنى
هذا هنا في الخلد قصرا مشيد
وعندما قدمت أرّخته
لمدخل ارفاق ونيل يزيد

(1183هـ/1769م)

باب علاوة (عليوة)

باب عليوة

معروف، كان موجودا في عام 881هـ/1476م على ما أفاده الزّركشي.

باب أبي سعدون

باب أبي سعدون

معروف، ذكره غير واحد من المؤرخين، ويلوح أنّه بني في أواخر المائة الثّامنة أو في أوائل المائة التّاسعة، لأنّ السّلطان محمد المنتصر الحفصي بنى سقاية هذا الباب في حدود سنة 838هـ/1434م حسب ما جاء في "المؤنس"، وفيه يقول إمام البلاغة الورغي بطالعة نونيته المعروفة:

باكر سعدوك ليس الوقت بالدّون
واجعل صبوحك عند باب سعدون

باب الخضراء

باب الخضراء

معروف، واسمه أزهى أسماء أبواب تونس، سمّي كذلك لأنّه يعبر منه لجهة الخضراء التي كانت معمورة بالزّياتين، ويلوح أن بناءه كان في أواخر المائة العاشرة، لأنّنا لم نعثر على ذكره في العصر الحفصي، ولأنّه كان موجودا في عهد الدّولة المرادية.

باب العلوج

باب العلوج

معروف، وكان اسمه باب الرّحيبة في المائة الثامنة وما قبلها وغلب عليه نسبته إلى علوج من أواسط المائة التّاسعة لأنّ السّلطان أبا عمرو عثمان لمّا تولّى الملك في سنة 839هـ/1435م وفد عليه أخواله من إيطاليا، فبرّهم وأسكنهم بالرّبض المجاور للقصبة. جاء في "الخلاصة النّقيّة": كانت أمّ هذا السّلطان من العلوج، اسمها مرين (مارية) فلمّا بويع ورد عليه أخواله فأسكنهم بالرّبض الملاصق للقصبة، وعرف بحومة العلوج من يومئذ.

باب سيدي قاسم

معروف، وبالنّسبة إلى سيدي قاسم الجليزي (صوابه الزليجي) المتوفى سنة 902هـ/1496م. ورد في "المؤنس": إنّ اسمه كان باب خالد، قلت: لعلّ خالدا هذا هو السّلطان أبو البقاء خالد بن أبي زكرياء الذي تولّى الملك في سنة 709هـ/1309م. وهذا الظّنّ راجع إلى كون زاوية سيدي قاسم المجاورة لهذا الباب بها مقابر للحفصيين، وما هو إلاّ مجرّد احتمال لا نجزم بصحّته.

باب الفلّة

باب الفلّة

معروف، وهو من بقايا العصر الحفصي في طور انحطاطه. جاء في "المؤنس": سمّي بذلك لأنّه كان ثلمة في السّور، ولما دهم أهل تونس العدوّ من النّصارى (الأسبانيول) وفرّوا بأنفسهم، خرجوا خيفة أن تؤخذ عنهم الأبواب فخرج أكثرهم من هنالك، فكان يقول بعضهم لبعض اخرجوا من الفلّة، وهذا الاسم باق إلى اليوم.

باب سيدي عبد السلام

باب سيدي عبد السلام

معروف، ولكن يعسر تحديد تاريخ إحداثه ولو على وجه التّقريب، اللّهمّ إلاّ بطريقة الحدس والتّخمين، وبهذا التّقدير يمكن الرّجوع به إلى العصر الحفصي من وجهين: أوّلا انتساب الفسقية التي بقربه إلى اسمه (فسقية باب سيدي عبد السلام) وهذه الفسقية في أصلها من بقايا العصر الحفصي، وثانيا لأنّ هذا الباب أحد الأبواب الثلاثة (والاخران هما باب سيدي قاسم المتقدّم ذكره وباب سيدي عبد اللّه الاتي ذكره) من مجموع أبواب تونس التي لم تمسّها يد التّغيير والتّرميم بحيث إنّ الأبواب الثّلاثة مازالت في حالة بنائها الأصْلي التي هي عليه منذ قرون، وهي متماثلة الوضع والشّكل والحجم.

باب سيدي عبد اللّه

معروف، وكان اسمه في القديم باب سيدي علي الزّواوي على ما ورد في كتاب "المشرع الملكي"، وزاوية سيدي علي الزّواوي مازالت موجودة داخل السّور قرب هذا الباب الذي كان منسوبا إلى صاحبها. ورد في "المشرع الملكي" عند الكلام على جنازة المولى محمد الرشيد باي المتوفى عام 1172هـ/1759م: ودخلت جنازته من باب سيدي علي الزّواوي ودفنوه بتربة أبيه (زاوية سيدي قاسم السّبابطي). وأمّا سيدي عبد اللّه الملقّب بالشّريف فضريحه خارج هذا الباب المنسوب إليه، ويلوح أنّه من أهل الأجيال المتأخّرة، لأنّ الباب المتحدّث عنه كان منسوبا إلى اسم غيره في أواخر القرن الثاني عشر كما تقدّم ذكره.

باب العسل

معروف، واسمه مقتبس من اسم درب ابن عسّال وهذا الدّرب كان موجودا في العصر الحفصي، لأنّهم كانوا يسمّون الأزقّة والشّوارع دروبا في زمنهم، وأمّا الباب المتحدّث عنه فهو من محدثات هذا العصر، وقع فتحه لنحو ثلاثين سنة خلت.

ببليوغرافيا

  • زبيس سليمان مصطفى، معالم مدينة تونس، الشركة التونسية للتوزيع، تونس،1971 .
  • العبدري أبو عبد الله محمد بن محمد، الرحلة، تحقيق محمد الفاسي، الرباط، 1968.